لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

تنبيهات على مشروع الموسوعة العلمية ومحاكاة الآثار النبوية
القسم :العلامة عبد المحسن بن حمد العباد



بتاريخ : 03-10-2012 07:46
عدد الزيارات : 2625


بسم الله الرحمن الرحيم

 

تنبيهات على مشروع الموسوعة العلمية ومحاكاة الآثار النبوية

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد؛ فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة الرياض بتاريخ 18/9/1433هـ عن مؤتمر صحفي للدكتور ناصر بن مسفر الزهراني تحدث فيه عن مشروع له أطلق عليه اسم ((السلام عليك أيها النبي)) جعل هذه الجملة ـ التي هي دعاء ـ مضافة إلى عدة كلمات هي: مركز ومعرض وموسوعة ومدينة ومكتبة وجامعة،وهو يشتمل على موسوعة علمية ومحاكاة للآثار النبوية، جاء فيه أن المعرض يحتوي على 25 موسوعة لن تقل عن 500 مجلد، وأن الموسوعة ربانية نبوية تعد أكبر موسوعة في التاريخ في بابها، موضوعها القرآن الكريم والسنة الشريفة الصحيحة، وأنها قامت على استقصاء كامل شامل لكل ما له علاقة بالثناء على الله تعالى والحديث عن ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ونعمه على عباده جل وعلا، ثم الاستقصاء الكامل الشامل لكل تفصيلات حياة النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه وأخلاقه وسيرته وشريعته، وأن المشروع بعد تدشينه في الأيام القليلة القادمة ستفتح أبوابه 24 ساعة للزوار وأنه يستوعب 500 زائر في الساعة.

وجاء فيه: ((وتُعد مكتبة ((السلام عليك أيها النبي)) العالمية مكتبة نوعية يتم فيها جمع واستيعاب كل ما كُتب عن النبي من كتب ومؤلفات ومصادر ومراجع ومطبوعات باللغة العربية وغيرها من اللغات الأجنبية، إضافة إلى الأعمال الصوتية والمرئية وغيرها))، وأن هذه المكتبة المتخصصة والنوعية سوف تكون أشمل وأكبر مكتبة في العالم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وجاء فيه أن الموسوعة أصلها القرآن والسنة الصحيحة التي وردت في كتب الصحاح، ولن تضم الموسوعة كلمة واحدة إلا موثقة ومحققة ومن مصادرها الصحيحة جميعا، وليس هناك كلمة ولا فعل ولا إشارة ولا إيماءة للنبي صلى الله عليه وسلم إلا وستضمها الموسوعة بشكل استقصائي شامل وجامع.

وجاء فيه أن المعرض والمشروع يحتوي على 1500 قطعة تحكي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وما ورد في الكتاب والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وبطرق حديثة.

وجاء فيه أن مدينة ((السلام عليك أيها النبي)) التي ستنشأ بين مدينة مكة المكرمة ومدينة جدة خُصص لها أكثر من مليون متر مربع، وأنها ستشتمل على مناشط مختلفة منها جامعة ((السلام عليك أيها النبي)) وصالات عرض مزودة بأحدث وسائل التقنية وأكبر معرض رباني نبوي مجهز بأحدث وسائل التقنية وأكبر متحف نبوي مجهز بأحدث وسائل التقنية ومجسمات للمسجد الحرام وما يحيط به ومجسمات للمدينة النبوية والمسجد النبوي والحجرات النبوية ومجسمات للمشاعر المقدسة: منى، عرفة، مزدلفة، ومجسم لطريق الهجرة النبوية، ومتخصصة عن كل ما كتب عن النبي صلى الله عليه وسلم وفنادق مصممة بنظام العمارة الإسلامي ومطاعم متنوعة تهتم بأنواع المأكولات والمشروبات التراثية وخصوصا المعروفة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأسواق مصممة على نظام العمارة الإسلامية.

وجاء فيه أنه تم التعاون مع كبار الأثريين العرب حيث هناك محاكاة لحلي نساء الرسول والجبة والصاع والمد وغيرها كذلك أنواع الأثاث والسلاح الواردة في القرآن الكريم وأنواع الحلي والزينة الواردة في القرآن الكريم وأنواع المكاييل والعملات في القرآن الكريم وأنواع الطعام والشراب في القرآن الكريم مؤكدا أنه سيتم خلال أقل من سنتين تعميم المشروع على العالم كله مشيرا إلى أن المشروع سيغير الصورة الذهنية لدى الكثيرين وسيكون بإذن الله سببا في دخول الكثير في الدين الإسلامي لافتا إلى أن المعرض مبتكر ومتميز يبرز عظمة الإسلام وجلال القرآن وعظمة النبي صلى الله عليه وسلم وكريم أخلاقه وآدابه وشمائله مقره الرئيس مكة المكرمة، وسيكون له فروع في المدينة المنورة والرياض وجدة، وكذلك سوف يكون هناك المعرض الدولي المتنقل في العواصم العالمية بعدة لغات إضافة إلى مقرات دائمة لـ(مركز السلام عليك أيها النبي) في كبرى عواصم العالم.

وجاء فيه أنه قام بزيارة المشروع عدد من أصحاب السمو الأمراء وأصحاب السماحة العلماء وعدد كبير من المفتين في العالم الإسلامي وقد أبدوا تأييدهم وإعجابهم، مؤكدا أنه هو من يموِّل المشروع وحده.

وجاء في الصحيفة صورة للدكتور الزهراني ومعه ستة رجال وثلاث نسوة على طاولة! وقد يكون هؤلاء هم المشاركين في المؤتمر الصحفي.

هذا غالب ما اشتمل عليه الحديث الصحفي للدكتور ناصر الزهراني وأعلق بهذه التنبيهات:

الأول: هذه التسمية لهذا المشروع وهو ((السلام عليك أيها النبي)) بهذا الاسم المضاف إلى (مركز وموسوعة وجامعة ومكتبة ومدينة ومعرض) تسمية غريبة عجيبة؛ لأن جملة ((السلام عليك أيها النبي)) إنشائية وهي دعاء للنبي صلى الله عليه وسلم وليست خبرية وهذه التسمية ليست مستقيمة؛ لأنه روعي فيها اللفظ فهي كلفظ الجلالة في جملة (الله اسم عربي) ولم يراع فيها المعنى كلفظ الجلالة في جملة (الله رب العالمين)، وأيضا المشروع شامل للكتاب والسنة فلا وجه لتخصيص تسميته بهذه الجملة الإنشائية، ويزداد الأمر غرابة أن يكتب بالأحرف الكبيرة على مدخل المبنى الخاص بالمشروع جملة: ((السلام عليك أيها النبي)) وهي خطاب ودعاء، وأيضا فإن هذا الدعاء جاء في التشهد في الصلاة من حديث ابن مسعود وغيره من الصحابة رضي الله عنهم في الصحيحين وغيرهما بكاف الخطاب، ولفظه ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته))، وجاء في رواية للبخاري (6265) بزيادة ((وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام ـ يعني ـ على النبي))، والمعنى أن الصحابة كانوا يقولون: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) بكاف الخطاب، فلما توفي صاروا يقولون: ((السلام على النبي)) بالغَيبة؛ لكن جاء في تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في موطأ الإمام مالك (53) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: قولوا: (التحيات لله)، وفيه (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) بكاف الخطاب، وهذا يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم جاء عنهم هذا وهذا، والأمر في ذلك واسع، فللمصلي أن يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وله أن يقول: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، ولم يكن الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم متفقين على اللفظ الذي ورد في تسمية الدكتور الزهراني لمشروعه وهو لفظ ((السلام عليك أيها النبي)).

الثاني: جاء في الحديث الصحفي ((أن الموسوعة ربانية نبوية تعد أكبر موسوعة في التاريخ في بابها، موضوعها القرآن الكريم والسنة الشريفة الصحيحة))، وجاء فيه أن الموسوعة أصلها القرآن والسنة الصحيحة التي وردت في كتب الصحاح، ولن تضم الموسوعة كلمة واحدة إلا موثقة ومحققة ومن مصادرها الصحيحة جميعا، وليس هناك كلمة ولا فعل ولا إشارة ولا إيماءة للنبي صلى الله عليه وسلم إلا وستضمها الموسوعة بشكل استقصائي شامل وجامع.

وأشير حول هذا الكلام بما يلي:

1ـ هذه الدعوى العريضة الواسعة من الدكتور ناصر الزهراني وفقه الله لما يرضيه لموسوعته أنها تُعد أكبر موسوعة في التاريخ في بابها، وأنها لن تترك كلمة ولا فعلا ولا إشارة ولا إيماءة للنبي صلى الله عليه وسلم إلا وستضمها بشكل استقصائي شامل وجامع، هذه الدعوى أشبه ما تكون بالخيال الذي لا يكون للواقع حظ فيه باعتبار شرط الصحة في الأحاديث، والشيخ ناصر الألباني رحمه الله الذي أفنى عمره في الاشتغال بالسنة والاطلاع على دواوينها المخطوطة والمطبوعة وألف فيها المؤلفات الكثيرة لم يبلغ هذه الغاية التي أشار إليها الدكتور الزهراني.

2ـ وصف الدكتور الزهراني موسوعته بأن موضوعها القرآن الكريم والسنة الشريفة الصحيحة وأن أصلها القرآن والسنة الصحيحة التي وردت في كتب الصحاح وأنها لن تضم كلمة واحدة إلا موثقة ومحققة ومن مصادرها الصحيحة جميعا، ومن المعلوم أن الحديث الصحيح يُعرف بنص أحد الحفاظ على صحته أو اشتمال مؤلف خاص بالصحيح عليه كصحيحي البخاري ومسلم وصحيحي ابن خزيمة وابن حبان ومستدرك الحاكم على الصحيحين، قال السيوطي في ألفيته:

وخُذْه حيث حافظ عليه نصّْ

 

ومِن مصنَّف بجمعه يُخَصّ

كابن خزيمة ويتلو مسلما

 

وأَوْلِهِ البُستيَّ ثم الحاكما

وكم به تساهلٌ حتى وَرَدْ

 

فيه مناكر وموضوعٌ يُرَدّْ

والكتب الثلاثة الأخيرة تشتمل على أحاديث ضعيفة بل ويشتمل ثالثها على الموضوع كما أشار إليه السيوطي، وكتب السنن الأربعة لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ليست مما ألِّف في الحديث الصحيح بل فيها الصحيح والحسن والضعيف، وتساهل الشيخ صديق حسن خان فأطلق عليها الصحة حيث سمى كتابه عنها وعن الصحيحين ((الحطة في ذكر الصحاح الستة)).

ومعرفة الحديث الصحيح يتطلب الاطلاع على دواوين السنة المطبوع منها والمخطوط في مكتبات العالم ودراسة أسانيدها لتمييز الصحيح منها والضعيف والوقوف على ما قاله أهل العلم فيها صحة وضعفا، وما كان منها مفقودا كتفسير ابن مردويه وكتاب السنة للطبراني مثلا، يُبحث في الكتب التي نَقلت عنها بأسانيدها، كتفسير ابن كثير الذي أورد أحاديث كثيرة من تفسير ابن مردويه بأسانيده، وكشرح (إحياء علوم الدين) للزبيدي الذي أورد فيه بعض الأحاديث من كتاب السنة للطبراني بأسانيده، وقد يشتبه الحديث الصحيح بالضعيف فيصححه عالم ويضعفه آخر لوجود راو في إسناده حسن الحديث يشتبه براو آخر ضعيف الحديث، كحديث ((اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك))؛ فإن في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق يحتمل أن يكون عبد الرحمن بن إسحاق القرشي وهو حسن الحديث، وعبد الرحمن بن إسحاق الأنصاري الواسطي وهو ضعيف الحديث، والأول هو المراد في الإسناد، انظر (السلسلة الصحيحة للألباني 266)، وفي تهذيب التهذيب لابن حجر في ترجمة ياسين العجلي: ((ووقع في سنن ابن ماجه عن ياسين غير منسوب فظنه بعض الحفاظ المتأخرين: ياسين بن معاذ الزيات فضعف الحديث به فلم يصنع شيئا))، وهو حديث في المهدي.

وبهذا يتضح أن معرفة الحديث الصحيح والتمييز بينه وبين الحديث الضعيف ليس بالأمر السهل بل هو في غاية الصعوبة، والله المستعان، ولو وُجد شيء من هذا العمل الموسوعي في الحديث الصحيح فمن ذا الذي يطمئن إليه والمسؤول عنه والمشرف عليه ليس معروفاً بأنه من أهل هذا الشأن.

الثالث: ما اشتمل عليه الحديث الصحفي من ذكر آثار ومجسمات تحاكي وتشابه ما للنبي صلى الله عليه وسلم من لباس وأثاث وآنية وما كان لنسائه من حلي وغير ذلك هو من البدع المحدثة ومدعاة لتعلق الجهال وأشباه الجهال بها، وقد يؤول الأمر إلى توهم أنها من الأشياء الحقيقية للرسول صلى الله عليه وسلم مع أنها من البدع فيتبركون بها كما كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون بكل ما لامس جسده الشريف صلى الله عليه وسلم الذي تواترت به الأحاديث من فعلهم رضي الله عنهم وإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لهم مما لا وجود له أصلاً في هذا الزمان، وقد يؤدي مشاهدة ذلك والافتتان به إلى الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم ودعائه والاستغاثة به وسؤاله قضاء الحاجات وكشف الكربات وغير ذلك مما هو شرك أكبر مخرج من الملة، وجاء في الحديث الصحفي أن مدينة ((السلام عليك أيها النبي)) ستشتمل على مجسمات عديدة لبعض الآثار في مكة والمدينة ومنها مجسم لطريق الهجرة النبوية، وقد حصل من بعض الكتاب قبل ثلاثين سنة الدعوة إلى إحياء بعض الآثار ومنها ما كان في طريق الهجرة، وقد رد عليهم سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله كما في مجموع فتاويه (3/334) تحت عنوان (حكم الإسلام في إحياء الآثار) قال: ((فقد نشرت بعض الصحف مقالات حول إحياء الآثار والاهتمام بها لبعض الكتاب ومنهم الأستاذ صالح محمد جمال، وقد رد عليه سماحة العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد فأجاد وأفاد وأحسن أجزل الله مثوبته، ولكن الأستاذ أنور أبا الجدايل هداه الله وألهمه رشده لم يقتنع بهذا الرد أو لم يطلع عليه فكتب مقالا في الموضوع نشرته جريدة المدينة بعددها الصادر برقم 5448 وتاريخ 22\\4\\1402هـ بعنوان: (طريق الهجرتين) قال فيه: والكلمة المنشورة بجريدة المدينة بالعدد 5433 وتاريخ 7\\4\\1402هـ للأستاذ البحاثة عبد القدوس الأنصاري عطفا على ما قام به الأديب الباحث الأستاذ عبد العزيز الرفاعي من تحقيق للمواقع التي نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق الذي سلكه في هجرته من مكة إلى المدينة المنورة، تدفعنا إلى استنهاض همة المسئولين إلى وضع شواخص تدل عليها كمثل خيمتين أدنى ما تكونان إلى خيمتي أم معبد مع ما يلائم بقية المواقع من ذلك بعد اتخاذ الحيطة اللازمة لمنع أي تجاوز يعطيها صفة التقديس أو التبرك أو الانحراف عن مقتضيات الشرع؛ لأن المقصود هو إيقاف الطلبة والدارسين ومن يشاء من السائحين على ما يريدونه من التعرف على هذا الطريق ومواقعه هذه لمعرفة ما عاناه الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلته السرية المتكتمة هذه من متاعب وذلك لمجرد أخذ العبرة وحمل النفوس على تحمل مشاق الدعوة إلى الله ؛ تأسيا بما تحمله في ذلك عليه الصلاة والسلام، على أن تعمل لها طرق فرعية معبدة تخرج من الطريق العام وتقام بها نزل واستراحات للسائحين ... ونظرا لما يؤدي إليه إحياء الآثار المتعلقة بالدين من مخاطر تمس العقيدة أحببت إيضاح الحق وتأييد ما كتبه أهل العلم في ذلك والتعاون معهم على البر والتقوى والنصح لله ولعباده وكشف الشبهة وإيضاح الحجة فأقول: إن العناية بالآثار على الوجه الذي ذكر يؤدي إلى الشرك بالله جل وعلا; لأن النفوس ضعيفة ومجبولة على التعلق بما تظن أنه يفيدها، والشرك بالله أنواعه كثيرة غالب الناس لا يدركها، والذي يقف عند هذه الآثار سواء كانت حقيقة أو مزعومة بلا حجة يتضح له كيف يتمسح الجهلة بترابها، وما فيها من أشجار أو أحجار، ويصلي عندها ويدعو من نسبت إليه ظنا منهم أن ذلك قربة إلى الله سبحانه ولحصول الشفاعة وكشف الكربة ويعين على هذا كثرة دعاة الضلال الذين تربت الوثنية في نفوسهم والذين يستغلون مثل هذه الآثار لتضليل الناس وتزيين زيارتها لهم حتى يحصل بسبب ذلك على بعض الكسب المادي, وليس هناك غالبا من يخبر زوارها بأن المقصود العبرة فقط بل الغالب العكس ويشاهد العاقل ذلك واضحا في بعض البلاد التي بليت بالتعلق بالأضرحة وأصبحوا يعبدونها من دون الله، ويطوفون بها كما يطاف بالكعبة باسم أن أهلها أولياء فكيف إذا قيل لهم إن هذه آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ...))، إلى أن قال: ((ومهما عمل أهل الحق من احتياط أو تحفظ فلن يحول ذلك بين الجهال وبين المفاسد المترتبة على تعظيم الآثار; لأن الناس يختلفون من حيث الفهم والتأثر والبحث عن الحق اختلافا كثيرا ولذلك عبد قوم نوح عليه السلام ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا مع أن الأصل في تصويرهم هو التذكير بأعمالهم الصالحة للتأسي والاقتداء بهم لا للغلو فيهم وعبادتهم من دون الله ولكن الشيطان أنسى من جاء بعد من صورهم هذا المقصد وزين لهم عبادتهم من دون الله وكان ذلك هو سبب الشرك في بني آدم روى ذلك البخاري رحمه الله في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } [نوح: 23] قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم؛ ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلمُ عبدت ...)) إلى أن قال: ((والحاصل أن المفاسد التي ستنشأ عن الاعتناء بالآثار وإحيائها محققة ولا يحصى كميتها وأنواعها وغاياتها إلا الله سبحانه، فوجب منع إحيائها وسد الذرائع إلى ذلك ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أعلم الناس بدين الله وأحب الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكملهم نصحا لله ولعباده ولم يحيوا هذه الآثار ولم يعظموها ولم يدعوا إلى إحيائها....))، إلى أن قال: ((فالواجب على علماء المسلمين وعلى ولاة أمرهم أن يسلكوا مسلك نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في هذا الباب وغيره، وأن ينهوا عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يسدوا الذرائع والوسائل المفضية إلى الشرك والمعاصي والغلو في الأنبياء والأولياء حماية لجناب التوحيد وسدا لطرق الشرك ووسائله)).

الرابع: أما ما اشتمل عليه الحديث الصحفي من ذكر ثناء علماء ومفتين على المشروع وإعجابهم به، وفي بعض الصحف والمواقع تسمية عدد منهم؛ فإن ثناء من كان منهم من المشايخ المعتبَرين إن صح ذلك عنهم راجع ـ إحساناً للظن بهم ـ إلى ما يتعلق بالموسوعة التي يغلب على الظن عدم وفائها بما اشتُرط فيها من صحة الأحاديث لا إلى الآثار والمجسمات المبتدعة، وأما غيرهم من فئة التوسع الواسع في حديث: ((افعل ولا حرج)) فلا يُستغرب منهم الثناء على كل ما تضمنه المشروع وغيره من الأعمال الأخرى غير اللائقة المتعلقة بالعقيدة والأخلاق، لاسيما من كانوا منهم ألَّفوا منهم ومن غيرهم من الفرق المختلفة ما سمّوه ((الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)) واتخذوا من أوربا مقرا له ليقدِّموا الإسلام للغربيين على وجه يعجبهم، وقد أخبر الله عن اليهود والنصارى أنه لا يرضيهم إلا اتباع ملتهم، قال الله عز وجل: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} ، وتشكيلة هذا الاتحاد أشبه ما تكون بالثوب المؤلف من رُقَع حمراء وصفراء وزرقاء وسوداء، أصلح الله حال الجميع وهداهم إلى الصراط المستقيم.

الخامس: إن من اللائق والمناسب لمن أراد وضع موسوعة في الأحاديث الصحيحة ـ وهو أهل لذلك ـ الاتجاه إلى وضع موسوعات جزئية خاصة بجوانب يمكن معها احتمال مقاربة الاستيعاب، كموسوعة في أحاديث الإيمان وموسوعة في أحاديث الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم وفي أحاديث الطهارة وأحاديث الصلاة وهكذا.

السادس: أما الصورة للدكتور الزهراني وستة رجال معهم ثلاث نسوة فذلك غير لائق، ويُخشى أن يكون هذا الاختلاط بالنساء بداية للاختلاط بين الرجال والنساء في زيارات المشروع.

السابع: الدكتور ناصر بن مسفر الزهراني حفظه الله ووفقه لما فيه رضاه المناسب له أن يستغل ما أعطاه الله من فصاحة وبلاغة وتمكن في نظم الشعر وإجادة فيه في خدمة الإسلام والدعوة إليه وإظهار محاسنه، وأن يتخذ من الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله قدوة في ذلك، فقد ألّف المؤلفات الكثيرة شعرا ونثرا، ولا يخلو كثير من المكتبات الخاصة والعامة من شيء من مؤلفاته، وقد توفي رحمه الله سنة (1377هـ) وعمره خمس وثلاثون سنة، وهو شبيه بأبي بكر الحازمي رحمه الله المتوفى سنة (584 هـ) وله مؤلفات منها: ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)) ذكره الحافظ الذهبي في كتابه (ذكر من يُعتمد قوله في الجرح والتعديل)، وقال عنه (ص219): ((أحد الأعلام مات شابا طريا عن خمس وثلاثين سنة))، والمؤمل من الدكتور الزهراني حفظه الله صرف النظر عما كان من مشروعه متعلق بالآثار والمجسمات التي تحاكي وتشابه الآثار الحقيقية للرسول صلى الله عليه وسلم التي لا وجود لها منذ أزمان، وأن يصرف ما لديه من أموال لذلك منه ومن غيره في وجوه الخير المختلفة كإطعام الجائعين وإيواء المعدمين وإغاثة الملهوفين؛ لأن في استمراره في هذا الاتجاه فتح باب شر عليه وعلى المسلمين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) رواه مسلم (4493)، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)) رواه مسلم (6804)، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تُقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سنَّ القتل)) رواه البخاري (3335) ومسلم (4379)، وما أحسن وأجمل قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((تكون أمور مشتبهات، فعليكم بالتؤدة؛ فإن أحدكم أن يكون تابعاً في الخير خير من أن يكون رأساً في الشر)) رواه البيهقي في الشعب (7/297)، وإذا لم يحصل منه الامتناع عن ذلك فإن المنع منه من مسؤوليات ولاة الأمور والمأمول منهم وفقهم الله لكل خير تحقيق ذلك دفعاً للفتنة وإماتة للبدعة.

وأسأل الله عز وجل أن يثيب الدكتور الزهراني على ما أراده من خير وأن يصرفه عما ظن أنه خير وهو ليس بخير، وأن يوفق المسلمين جميعا لما تحمد عاقبته في الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

21/10/1433هـ،

عبد المحسن بن حمد العباد البدر