لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

إحكام الغوص في الرد على شُبَه من دافع عن الحويني كالغَزّي وأبي حفص(الحلقة الأولى)
القسم :أبو بكر بن ماهر بن عطية المصري



بتاريخ : 13/9/1429 هـ
عدد الزيارات : 3425


 
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو بكر بن ماهر بن عطية بن جمعة المصري:
هذا جواب على ما أشكل به أبو حفص المصري من أسئلة وردٍّ على ما أورده هو والغزي الأثري من شبه حول تجريح أهل العلم لأبي إسحاق الحويني، وإني أشكر لجميع الإخوة الذين ردوا عليهما على شبكة سحاب السلفية -حفظها الله وحفظ القائمين عليها- ووفقهم لما فيه خدمة المنهج السلفي وأهله، وسميت هذا الرد بـ (إحكام الغوص في الرد على شبه من دافع عن الحويني كالغزي وأبي حفص). أسأل الله أن ينفع به، وهذا أوان الشروع في المقصود.
قال أبو حفص المصري:
(ما تقولون في رجل يقول: إن الله يحرم ما يريد وأنا سأفعل كل ما أريد؟) اهـ
قلت: هنا مقدمتان:
الأولى: هي أن الكلام هنا بخصوص رجل ظاهره الإسلام أو الأصل فيه الإسلام.
الثانية: هي أن الكلام هنا متعلق بموافقة هذا الرجل أو مخالفتة لإرادة الله الدينية الشرعية لا إرادته الكونية القدرية، فإن هذه الإرادة الأخيرة لا يخرج عنها أحد ولا ينفك عنها أحد من الخلق كائنًا من كان، كما هو معلوم من تفريق أهل العلم بين الإرادتين.
بعد هذا أقول: قول ذاك الرجل: (وأنا سأفعل كل ما أريد) لا يخلو من كونه واحدة من ثلاث حالات:
- إما أن يكون كل ما يريده موافقًا لما يريده الله.
- وإما أن يكون كل ما يريده مخالفًا لما يريده الله.
- وإما أن يكون بعض ما يريده موافقًا لما يريده الله، وبعضه مخالفًا لما يريده الله.
وبِناءً على ذلك أقول:
أما الحالة الأولي: فلا شك في الحكم لصاحبها بالإسلام وبقائه عليه.
أما الحالة الثانية: ففيها تفصيل:
فإن كان كل ما يريده الرجل كفرًا أكبرًا: كسَبِّه الله والرسول، واستهزائه بهما، وبدين الله، وشرعه، ودعاء الموتى، ونحو ذلك، كان ذاك الرجل كافرًا.
وإن كان معصيةً أو كفرًا أصغرًا: كان مسلمًا فاسقًا لا كافرًا، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته ومعاصيه، فهذا الرجل عنده مطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، أي عنده أصل الإيمان لا كماله.
وأما الحالة الثالثة: ففيها تفصيل أيضًا:
فإن كان بعض ما يريده معصيةً وكفرًا أصغرًا، وبعضه كفرًا أكبرًا، كان ذاك الرجل كافرًا، إذ الحكم بالكفر الأكبر هو المقضي به هنا.
قلت: وصورة هذا السؤال ليست كصورة المثال في كلام الحويني، فتنبه.
قال أبو حفص:
(وما تقولون في رجل قال لرجل هيا نذهب لكي نصلي، فرد عليه صاحبه قائلاً: هل أنا ممن يضع جبهته في الأرض؟! هذا مستحيل) اهـ
قلت: هذا السؤال يحتاج إلى تصويب، ذلك لأن ظاهر السؤال هو أنك تسأل عن الرجل الذي حث الآخر على الصلاة، ولا شك أن هذا رجل داعٍ إلى خير، فتأمل ذلك، وإن كنت لا إخالك تقصده.
وبناءً على هذا، فيكون صواب السؤال على النحو التالي:
(وما تقول في رجل قيل له -أو قال له رجل-: هيا نذهب لكي نصلي، فرد عليه قائلاً: هل أنا ... إلى آخره) أو بنحو ذلك.
وبعد ذلك أقول: ها هنا أمور أذكرها بين يدي الجواب:
1- ليعلم القارئ الكريم أن ترك الصلاة من باب ترك الواجب أو المأمور به، وأن أكل الربا من باب فعل المحرم والمحظور.
2- معلوم أن ترك الواجب أعظم من فعل المحرم؛ ذلك لأن التكليف بفعل الواجب مقصود لذاته، وأن التكليف بترك المحرم مقصود لغيره، وهو تكميل الواجب وتتميمه، وقد ذكر نحو ذلك ابن القيم -رحمه الله-.
3- قد كان معصية إبليس -لعنه الله- من باب ترك المأمور به -وهو السجود لآدم- صلى الله عليه وسلم- إباءً واستكبارًا وتعاليًا، وقد لعنه الله، وحكم عليه بدخول النار والطرد من رحمته، بخلاف معصية آدم، فإنها كانت من باب فعل المنهي عنه المحظور، وقد تاب إلى الله وتاب الله عليه، ولم تكن معصية آدم عن إباءٍ ولا استكبارٍ وتعالٍ، وإنما الأمر كما قال الله: ((وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً))
وكما قال الله: ((وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ * قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ))
وقال تعالى في سورة البقرة :((فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ))
4- ليس كل مأمور به تركُه أعظمَ من فعل كل منهيٍٍ عنه، فالشرك بالله منهي عنه، وهو أعظم من ترك بر الوالدين المأمور به مثلاً، وإنما المقصود هنا أن ترك الصلاة أعظم بكثير من أكل الربا.
5- معلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك الصلاة -دون جحود لوجوبها- على قولين: قولٍ بالكفر، وقولٍ بالفسق. بخلاف الربا، فلا أعلم أحدًا كفَّر آكل الربا أو موكله أو كاتبه أو شاهديه.
وأما حديث: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) فهو لعن على العموم لا على التعيين، ثم إنه لا يلزم من اللعن التكفير، فليس كل ملعون كافرًا.
بعد تلك المقدمات أقول:
من كفر تارك الصلاة، فتكفيره لمن قال: (هل أنا ممن يضع جبهته في الأرض؟! هذا مستحيل) فتكفيره له من باب أولى لأنه تركٌ وزيادة. ومن لا يكفر تارك الصلاة، فالذي يظهر لي أنه يتوجه له تكفير قائل مثل هذه العبارة أيضًا، باعتبار أن هذا رجل مستكبر عن السجود لله، والذل له، والخضوع له، وأنه غير منقاد لأمر الله عز وجل، وأنه ذو إباء وامتناع عن السجود لله سبحانه وتعالى، وعن وضع جبهته في الأرض، وجعل أعلاه في أسفل، مستعظمًا ذلك، غير متواضع لله، ومستكبرًا عن ذلك، وأنه أعز وأعظم من أن يسجد ويذل ويخضع لله رب العالمين، فقوله: (هل أنا ممن يضع جبهته في الأرض؟!) استفهام تعجبي إنكاري، أي لا يكون هذا ولست ممن يفعل ذلك الأمر -ألا وهو وضع الجبهة في الأرض- فظاهر عبارة هذا الرجل الاستكبار، والاستعظام، والتسفيه لأمر الله بالسجود له، وأن هذا الرجل يسعه أن يخرج عن أمر الله، ويسعه ألا يسجد لله سبحانه وتعالى.
وقوله: (هذا مستحيل) يؤكد إباءه، وامتناعه عن السجود، والتزامه بترك السجود لله بأي حال من الأحوال، ومهما كان الأمر، ولو وضع السيف على رقبته، ومثل هذا الرجل لا يُتصور منه إيمان قلبي، وإن كفره ككفر إبليس الذي قال الله عنه: ((قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً)) فكلٌّ يرد على الله أمره بإباءٍ، واستكبارٍ، وتعالٍ، وتعاظمٍ، ودون انقياد.
قال الإمام القرطبي -رحمه الله- في تفسيره لقول الله تعالى من سورة البقرة: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)) قال: "قوله تعالى ((اسْجُدُواْ)) السجود معناه في كلام العرب: التذلل، والخضوع ..." إلى أن قال: "وغايته وضع الوجه بالأرض ..." إلى أن قال: "قال ابن فارس: سجد إذا تطامن، وكل ما سجد فقد ذل." اهـ ج1 ص 284 إلى ص 285 ط: المكتبة التوفيقية.
وقال رحمه الله: "قوله تعالى: ((وَاسْتَكْبَرَ)) الاستكبار: الاستعظام، فكأنه كره السجود في حقه، واستعظمه في حق آدم، فكان ترك السجود لآدم تسفيهًا لأمر الله وحكمته ..." إلى أن قال -رحمه الله-: "فكل من سفه شيئًا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله عليه السلام، كان حكمُه حكمَه، وهذا ما لا خلاف فيه" اهـ كلامه رحمه الله من المرجع السابق ص 289.
قال أبو حفص:
(ورجل قال لرجل: إن الله حرم الزنا فلا تفعل ذلك. فقال له صاحبه: ولكني سأفعل كل ما حرمه الله) اهـ
قلت: يرد على هذا السؤال ما ورد على سابقه بحيث يقال هنا: هذا رجل ينهى آخرًا عن الزنا مخبرًا إياه بتحريم الله له بأسلوب توكيد، فتأمل ذلك، والصواب أن يقال: (ورجل قيل له -أو قال له رجل-: إن الله حرم الزنا فلا تفعل ذلك. فقال له ... ولكني ... إلخ) أو بنحو ذلك.
بعد ذلك أقول: قول الرجل: (ولكني سأفعل كل ما حرمه الله) فيه لفظة (كل) وهي من ألفاظ العموم، ويدخل في ذلك الكفر بالله، والإشراك به، والاستهزاء به، وبآياته، وبدينه، وشرعه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، كما يدخل في ذلك دعاء الموتى من دون الله، والاستغاثة بهم، والاستعانة بهم، والاستجارة بهم -والعياذ بهم-، واللياذ بهم، والذبح لهم، والطواف حول قبورهم، والنذر لهم، والخوف والرهبة منهم، كما يدخل في ذلك نفي أسماء الله، وصفاته، وأفعاله، والكفر بها، وتشبيه الله بخلقه، وتشبيهه بالمنقوصات، والمعدومات، إلى غير ذلك من أنواع الكفر الصريح التي لا يتردد مسلم في الحكم على صاحبها بالكفر، فمن قال هذه العبارة على هذا الوجه من العموم، فهو كافر بالله العظيم لا شك في كفره ولا في كفر من لم يكفر مثل هذا الذي قصد هذا العموم المطلق لا العموم الذي يراد به الخصوص الذي في نحو قوله تعالى: ((فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ))
فلا شك في أن لفظة (كُلَّ) في الآية لا يراد بها العموم المطلق، فإن الريح لم تدمر السماءن والأرض، والجبال، والشمس، والقمر، والنجوم، ولا مساكن القوم كما في الآية. ونحو ذلك العموم الذي يراد به الخصوص قوله تعالى في قصة هدهد نبي الله سليمان -صلى الله عليه وسلم- حيث أخبر نبي الله سليمان عما وجده في قوم سبأ من نبأ: ((إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)) فالمعنى أنها أوتيت من كل شيءٍ يؤتاه غيرها من الملوك، وليس المعنى أنها أوتيت من السماء ومن الجنة مثلاً. وقد ذكر هذا في بعض كتب الأصول.
قلت: وإنما يعرف مثل هذا التفصيل بين العموم المطلق والعموم الذي يراد به الخصوص بالقرائن، والسياق بسباقه ولحاقه، ونحو ذلك.
وليعُلم أن الحرص على الفعل يُنزل منزلة الفعل، لحديث أبي بكرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال:
(إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا -أو قيل-: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه) أو كما قال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وقال تعالى: ((كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا ...)) فنسب الله -عز وجل- عقر الناقة إليهم جميعًا، مع أن المنبعث والمباشر للعقر واحد، وهو أشقى ثمود، فلما كانوا جميعًا حريصين أو راضين عن عقر الناقة، نسب الله عز وجل عقرها إليهم جميعًا، وقد عمهم الله بعقاب منه لتكذيبهم وعقرهم الناقة، قال تعالى: ((فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا)).
قلت: وأخيرًا، فصورة هذا السؤال ليست كصورة المثال في كلام الحويني، فكن على ذكرٍ من ذلك.
قال أبو حفص:
(ما تقولون في رجل وضع الحذاء على المصحف؟ فهل نقول: إن هذا الفعل كفر، أم نقول: إن الاستهانة بالمصحف من أعمال القلب فلعله وضع الحذاء عليه لعذر ولم يقصد إهانة كتاب الله؟) اهـ
قلت: هذا فعل كفري، وهذا رجل كافر. لأن في هذا منافاة لتعظيم كتاب الله. وليس هذا كصورة المثال في كلام الحويني، فتدبر ذلك.
قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله- في تفسيره "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" عند تفسيره لقوله تعالى: ((قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)) قال ما نصه: "(قُلْ) لهم (أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) فإن الاستهزاء بالله ورسوله كفر مخرج عن الدين، لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله، وتعظيم دينه، ورسله، والاستهزاء بشيءٍ من ذلك منافٍ لهذا الأصل، ومناقض له أشد المناقضة ..." ا هـ ج2 ص 292 ط. المكتبة التوفيقية.
قلت: وها هنا تنبيه: وهو أنه ينبغي التفريق بين الحكم على العموم والإطلاق، والحكم على التعيين، فلابد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع في حق المعين، ومن هنا يقال: فرق بين الحكم على الفعل، والحكم على الفاعل، وأنه ليس كل من وقع في الكفر يعتبر كافرًا، وأن الحكم على المعين لابد فيه من ذكر قيد وجوب استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، بخلاف الحكم على سبيل العموم والإطلاق.
فيقال: من فعل شركًا فهو مشرك، ومن فعل كفرًا فهو كافر، ولو أن رجلاً قال كفرًا فهو كافر، أو لو أنه فعل شركًا فهو مشرك، ونحو ذلك من الصيغ التي تفيد العموم أو الإطلاق لا التعيين.
أما المعين، فلابد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع في حقه، فقد ألقى نبي الله وكليمه موسى -صلى الله عليه وسلم- الألواح لما رجع إلى قومه غضبان أسِفًا بسبب عبادة قومه العجل من بعده.
وقد حرق عثمان بن عفان -رضي الله عنه- المصاحف -إلا مصحفًا واحدًا- خشية اختلاف الأمة في كتاب ربها، فتهلك كما هلكت الأمم من قلبهم، وبعث بالمصحف الذي أبقاه إلى الأمصار، وقد أقره الصحابة -رضي الله عنهم- من غير نكير من أحد منهم عليه، فما كَفَر نَبِيُّ الله موسى -صلى الله عليه وسلم-، وما كفر عثمانُ -رضي الله عنه- ولا صحابةُ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين أقروه على فعله وصنيعه، إذ لم يكن ذلك الفعل على سبيل الإهانه والاستهزاء بآيات الله سبحانه وتعالى.
أما الحكم على العموم فهو أن يقال مثلاً:
من استهزأ بكتاب الله، وآياته، ورسوله، فهو كافر، ومن عبد غير الله فهو كافر، ومن عبد مع الله غيره فهو كافر، ومن دعا غير الله من الموتى، واستغاث به، واستعان به، فهو كافر، ونحو ذلك.
فلا إشكال في جواز هذه الأحكام على هذا النحو أو الوجه الذي قد علمت.
من غير ذكر قيد وجوب استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، فليتفطن إلى ذلك.
بعد هذا كله أقول: أيدفعك -يا أبا حفص- دفاعك عن الحويني، وتعصبك له، وإمعانك في ذلك، إلى إيراد مثل هذه الأسئلة أو الإشكالات؟! والعجب أنك تخالف الحويني فيما حمل مثاله عليه!! فلا أدري ماذا كنت ستفعل لو كنت وافقته فيما ذهب إليه وعول عليه؟ وقد علم بطلان ما حمل مثاله عليه من الشريط والحمد لله.
وأين مثال الحويني من مثل تلك الأمثلة أو الأسئلة أو الإشكالات التي ذكرتها؟!
ثم أقول: إن سلمت بتكفير من كفرتُه أنا ممن سألت عنهم في أسئلتك وأجبتك عنهم بحَسَب كُلٍ، فلا وجه لإيراد هذه الأمثلة أو الإشكالات أو الأسئلة، خاصة أنك تخالف الحويني فيما حمل مثاله عليه، وإن لم تسلم بذلك فمخالفتك للحويني فيما ذهب إليه متعينة من باب أولى، فهلا رددت الخطأ على صاحبه، ونصحت له، بدلاً من هذا التهويش منك على من رد خطأ على صاحبه.
أما قولك:
(قد يختلف أهل العلم في الصور العملية للكفر المخرج من الملة)
فسيأتي الجواب عنه في محله إن شاء الله تعالى.
قال أبو حفص:
(إن ما قاله الشيخ الحويني من أن: من قال (إن الربا حرام ولكني سآكله) فحكم الشيخ بكفره فنقول: إن الشيخ ضرب هذا المثال ليوضح أنه كفر هذا الرجل من أجل استكباره وإباءه -كذا- وعناده) انتهى كلامه
قلت: ليس في صورة المثال المضروب ما يرجح حمله على الاستكبار والإباء والعناد، فضلاً عن القطع بذلك، وليس لنا إلا الحكم على الظاهر من الأقوال والأفعال، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وقد قال الله عز وجل لنبيه: ((وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً))
أقول: تَذَكَّر أنك خالفت الحويني فيما حمل مثاله عليه.
قال أبو حفص:
(ونقول أيضًا: هذا المثال الذي ضربه الشيخ يحتمل معنيين وهما:
الأول: أن هذا الرجل استكبر على أمر الله.
الثاني: أن هذا الرجل استكبر على الشخص الذي يدعوه.
فحمله الشيخ -حفظه الله- على الوجه الأول.
وأقول: وكلام الشيخ الحويني فيه نظر، لأن الأصل الحمل على الوجه الثانى) انتهى كلامه
قلت: لا شك أن كلامنا هنا في مسلم قال هذه العبارة، ولا يجوز إخراج مسلم من الإسلام بمجرد قوله لعبارة محتملة لمعنيين على حد قولك، مع إمكان أن يكون له مخرج من الكفر بحمل كلامه على أحسن الاحتمالين، هذا على فرض كون الاحتمالين متساويين، فما بالك إذا كان كلام الحويني فيه نظر لأن الأصل الحمل على الوجه الثاني وهو أن هذا الرجل استكبر على الشخص الذي يدعوه على حد قولك؟!
وهل يسوغ له مخالفة هذا الأصل على حد تأصيلك؟!
ثم إني لا أدري ما وجه التحكم في حمل هذه العبارة على هذيين المعنيين المتعلقين بالاستكبار دون ما سواهما مع أن في الأمر مندوحة عن هذا التحكم!! ألا يمكن أن يحمل قوله هذا على محامل أُخر، كأن يكون قائل هذه العبارة قد قالها لعارض من شبهة أو شهوة من غير استكبار على أمر الله ولا على الشخص الذي يدعوه؟!
بلى، إن هذا متصور، وبالإمكان، وليس بمستحيل، فلا يجوز حمل الكلام على أسوأ الاحتمالات خاصة في مثل هذا الأمر الخطير، إذ الأصل في المسلم الإسلام، ولا يجوز إخراجه منه إلا بيقين، وبحجة أوضح من شمس النهار، لا بمجرد الاحتمال -على فرض أنه مساوٍ- فضلاً عن أن يكون هذا الاحتمال مرجوحًا أو معدومًا، خاصة أنك قلت: (وكلام الشيخ الحويني فيه نظر ...) وقلت بعد ذلك: (... وإن كنا نخالفه في ذلك)، فماذا تنقم على من يرد على المخالف في أمر عظيم مثل هذا؟ خاصة أنه قد جاء في ذم الخوارج المكفرين للمسلمين بالكبيرة أحاديث كثيرة تذمهم لغلوهم بما لا يعرف وروده في غير الخوارج من أهل الأهواء، وما هو إلا لعظم أمر الخوارج وعظم فتنتهم.
أقول: فاحتمالك للمعنيين المذكورين فقط تحكم بغير دليل، وقولك: (لأن الأصل الحمل على الوجه الثاني) تحكم آخر بغير دليل متفرع عن التحكم الأول، فكلاكما مخطئ، فالحويني مخطئ في تكفيره صاحب المثال، وأنت أخطأت في تأصيلك وتفريعك، ولا يجوز رد باطل بباطل.
قلت : كان الفراغ منه في يوم السبت الموافق الخامس والعشرين من شهر صفر لسنة سبع وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية .
أبو بكر بن ماهر بن عطية المصري المنصوري