لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

التشويق لحج بيت الله الحرام
القسم :منبر الجمعة



بتاريخ : 29-08-2016 01:25
عدد الزيارات : 978
الشيخ : أحمد بن ناصر آل عبدلله


الحَمْدُ للَّهِ الْعَالِمِ بِعَدَدِ الرَّمْلِ وَالنَّمْلِ وَالْقَطْرِ ، وَمُصَرِّفِ الْوَقْتِ وَالدَّهْرِ ، الْخَبِيرِ بِخَافِي السِّرِّ وَسَامِعِ الْجَهْرِ ، أَقْرَبَ إِلَى الْعَبْدِ مِنَ الْعُنُقِ إِلَى النَّحْرِ  ، خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَسَوَّاهُ وَاسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ كَالذَّرِّ .

أَحْمَدُهُ حَمْدًا لَيَسْ لَهُ نِهَايَةٌ ، وَأُقِرُّ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ فَكَمْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةٌ ، وَأُصَلِّي عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي مَا رُدَّتْ لَهُ رَايَةٌ ، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان رفدا وسقاية ، أَمَّا بَعدُفَأُوْصِيكُم وَنَفسِيَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ القَائِلِ (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ )

روى الحاكم وحسنه ابن حجرعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء الكعبة قال الله تعالى له: أذن في الناس بالحج. قال: يا رب! وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي الإبلاغ, فصعد إبراهيم خليل الله جبل أبي قبيس وصاح: يا أيها الناس! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار فحجوا، فسمعه من بين السماء والأرض ، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون "
ترك إبراهيم عليه السلام زوجته الضعيفة هاجر, وابنه الصغير إسماعيل في بطن وادي قاحل, ليس فيه إلا الرمل والحصى, فلا ماء ولا ظلال ولا حتى زرع, ثم يبتعد عنهم عليه السلام ويرفع يديه إلى السماء: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: "لو قال إبراهيم (أفئدة الناس) لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم, ولكنه قال (من الناس) فاختص به المسلمون".
إنه حج بيت الله الحرام .. فرضه الله تعالى على عباده، وجعل ذلك من أركان الإسلام ومبانيه العظام؛ ولا تبرأ ذمةُ المسلم المستطيعِ إلا بالإتيانِ به، وَمَن تهاوَنَ بِهِ فَهُوَ عَلَى خَطرٍ عَظِيمٍ ، قال سُبَحانَهُ (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العَالمِينَ )

الحج من أفضل الأعمال ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:(سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور )

هناك تسكب العبرات وتنزل الرحمات وتفيض العطايا والهبات.

عبرة وعبرات ودمعات وبسمات في أيام معدودات يقول النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.

ويقول - صلى الله عليه وسلم -: "الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا. وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ".

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلا الْجَنَّةُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ .

فهل تاقت النفوس واشتاقت يا عباد الله إلى تلك الأماكن الطيبة .

هنيئاً لمن كتبه الله مع الوفد المفلحين ؛ دعاهم فأجابوا ، وقرَّبهم ليُكرمهم ، وأدخلهم في عملٍ هو عنده من أحب الأعمال ليُحسن عقباهم في الحال والمآل .

حث صلى الله عليه وسلم بالمبادرة إلى الحج؛ بقوله: (تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له) رواه أحمد وحسنه الألباني.
فمن كان مستطيعًا للحج وأخَّرَهُ فهو آثم آثم, وكل سنة يقوم بتأخيره فهو يزداد في الإثم ولا حول ولا قوة إلا بالله, ثبت عن عمر رضي الله عنه عند البيهقي بسند صحيح كما قال الحافظ ابن حجر أنه قال: "ليمت يهودياً أو نصرانياً ثلاثاً، رجل مات ولم يحج ، وجد لذلك سعة وخليت سبيله" وفيه عَنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَقَد هَمَمْتُ أَن أَبعَثَ رِجَالاً إِلى هَذِهِ الأَمصَارِ، فَلْيَنظُرُوا كُلَّ مَن كَانَ لَهُ جِدَةٌ ولم يحُجَّ فَيَضرِبُوا عَلَيهِمُ الجِزيَةَ ، ما هُم بِمُسلِمِينَ مَا هُم بِمُسلِمِينَ. َصَحَّحَهُ ابْنُ حَجَر .

واعلموا أن الله فرض الحج على المسلم، إذا تمت فيه شروط أربعة:

(الشرط الأول): أن يكون بالغًا، فأما الذي لم يبلغ، فإنه لا يجب عليه الحج، ولكن إذا حج، فله أجره، وإذا بلغ حج فريضة الإسلام.

(الشرط الثاني): أن يكون عاقلًا، فأما المجنون الذي لا يعقل، فلا حج عليه.

(الشرط الثالث): أن يكون حراً، فأما العبد الرقيق الذي يباع، ويشترى، فلا حج عليه.

(الشرط الرابع): أن يكون مستطيعاً بماله، وبدنه، فمن لم يكن مستطيعاً بماله، وهو الفقير، فلا حج عليه

ومَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَسْتَطِيعُ سَدَادَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجٌّ ، وَحُقُوقَ الآدَمِيِّينَ فِي هَذَا مُقدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ اللهِ ؛ لأَنَّ حُقُوقَهُم بَينَهُم مَبنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ ، وَحَقُّ اللهِ مَبنَاهُ عَلَى الإِحسَانِ وَالْمُسَامَحَةِ ! فَمَنْ كَانَ لا يَسْتَطِيعُ تَكَالِيفَ الحَجِّ لِفَقْرِهِ أَوْ لِغَلاءِ النَّفَقَاتِ وَارْتِفَاعِ أَسْعَارِ الحَمَلاتِ , فَلا يُكَلِّفَنَّ نَفْسَهُ وَيَنْتَظِرْ فَلا يَحُجَّ حَتَّى يَقْدِرُ .

ويشترط أن تكون النفقة التي توصله إلى بيت الله الحرام فاضلة عن حاجاته الأصلية، ونفقاته الشرعية، وقضاء ديونه.
أمَّا الأقساطُ الشهرية وأقساط البنك العقاري فلا تعتبر ديونا حآلّة .

ومن قال: لا أستطيع الحج إلا باستدانة، فلا يجب عليه، ولو استدان فيصح حجه، والأفضل أن يحج بماله.

ومن الاستطاعة للمرأة أن يكون لها محرم في سفرها، فإن لم تجد فلا حج عليها، ومَنْ كان مريضا مرضا لا يرجى زوالـُه وبرؤه فإنه ينوِّب من يحُجُّ عنه بأجرة أو بغير أجرة ، ومن كان مريضا مرضا يرجى زواله وبرؤه فإنَّه يصبرُ حتى يزول عنه مرضه .

عباد الله، كيف تطيب نفس المؤمن أن يترك الحج مع قدرته عليه بماله وبدنه ! كيف يبخل الإنسان على نفسه بالمال وهو يُنفق الكثير من ماله فيما تهواه نفسه ! كيف يوفّر نفسه عن التعب في الحج وهو يُرهق نفسه في التعب في أمور دنياه !َ

فلْيَحمَدِ اللهَ عز وجل مَن مُدَّ في عُمُرِهِ وَأُنسِئَ لَهُ في أَجلِهِ

، فَهَا هُوَ مَوسِمُ الحَجِّ قَد أَشرَقَت شَمسُهُ، وَهَا هُمُ الحُجَّاجُ قَد بَدَأُوا يَأتُونَ مِن أَقصَى الأَرضِ شَرقًا وَغَربًا !
حتى إن بَعضَهَم يَبْقَى سَنَوَاتٍ وَهُوَ يجمَعُ مَالَهُ دِرهمًا دِرهَمًا وَفِلسًا فِلسًا ، يَقتَطِعُها مِن قُوتِهِ وَقُوتِ أَهلِهِ وَأَبنَائِهِ حَتَّى يَجْمَعُ مَا يُعِينُهُ على أَدَاءِ هَذِهِ الفَرِيضَةِ العَظِيمَةِ !

وقد يسَّر الله لنا – ولله الحمد – في هذه البلاد ما لم يُيَسِّره لغيرنا من سهولة الوصول إلى البيت وأداء النسك، فقابلوا – أيها المسلمون – هذه النعمة بشكرها، وأدّوا ما فرض الله عليكم قبل أن يأتي أحدَكم الموتُ فيندم حين لا ينفع الندم.

بارك الله لي ولَكم في القرآنِ والسنّة، ونفعَنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله

تعالى لي ولكم.

 

 

 

الخطبة الثانية :
الحمد لله الذي جعل كلمة التوحيد لعباده حرزًا وحصنًا, وجعل البيت العتيق مثابة للناس وأمنًا, والصلاة والسلام على نبي الرحمة وسيد الأمة, وعلى آله وأصحابه قادة الخلق وسادة الحق, وسلم تسليمًا كثيرًا.
أَمَّا بَعدُ ، عباد الله :َتَأَمُّلُوا في حَالِ الأَجدَادِ كَيفَ كَانُوا يحُجُّونَ، وَكَيفَ سَارُوا عَلَى أَقدَامِهِم وَامتَطَوا رَوَاحِلَهُم شُهُورًا وَلَيَاليَ وَأَيَّامًا لِيَصِلُوا إلى البَيتِ العَتِيقِ وَيَقضُوا تَفَثَهُم !!! وَنحنُ وَللهِ الحَمدُ في نِعمَةٍ لم يَسبِقْ لها مَثِيلٌ ، طُرُقٌ وَاسِعَةٌ وَسَيَّارَاتٌ فَاخِرَةٌ ، وَأَمنٌ وَغِنًى وَصِحَّةٌ وَرَاحَةٌ، وَأَرزَاقٌ مُيَسَّرَةٌ وثَمَراتٌ مُتَوفِّرَةٌ، لَكِنَّ مِنَّا مَن يُلَبِّسُ عَلَيهِ الشَّيطَانُ وَيَفتَعِلُ لَهُ الأَعذَارَ ، إِمَّا بِشِدَّةِ الحَرِّ أَو قُوَّةِ الزِّحَامِ أَو كَثرَةِ الحُجَّاجِ ، وَكَأَنَّهُ لَن يحُجَّ حتى يَرَى الطَّرِيقَ لَهُ وَحدَهُ ، وَالمَشَاعِرَ قَد خَلَت مِن عِبادِ اللهِ سِوَاهُ .
عباد الله: حج النافلة من أفضل القربات إلا أن الزحام الشديد الذي ظهر في الأزمنة المتأخرة اقتضى أن ينظم ولاة الأمور مسألة تكرار الحج فيجب التقيد بالأنظمة مراعاة للمصلحة العامة، ومن عزم على الحج ومنعه منه التزامه بأنظمة الحج ومراعاة إخوانه فيرجى أن يكتب له أجر الحج وهو في بيته.

ومن البدائل عظيمة النفع عن الحج بالنفس أن يبذل المال ليحج به من لم يسبق له الحج فيكون له بذلك مثل أجره إن شاء الله.

عباد الله.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فاللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.

عباد الله وفي وقت تستقبل فيه بلادُنا ضيوفَ الرحمن وتسعى جاهدة لأمنِهم وراحتهم ،يقف جنودوها الموحدون على الثغور ضد رافضة الحوثيين الذين يحاولون عبثا المِساسَ بأراضي يلاد الحرمين, مهبطِ الوحي ومهوى الأفئدة ِ,ولكنَّ الله لهم بالمرصاد فبفضل الله ثمَّ بجهود جنودنا البواسل فقد دحروهم وساموهم سوء العذاب( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ )
كفى الله المسلمين شرورَهم وردَّ كيدَهم في نحورهم وأشغلهم في أنفسهم وجعل الدائرة َعليهم إنـَّه قويٌ عزيز
اللهم يسر للحجاج حجهم ووفقهم ويسر لهم أمورهم يارب العالمين
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.