لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

خطبة عن عرفة والعيد والتشريق
القسم :منبر الجمعة



بتاريخ : 08-09-2016 07:09
عدد الزيارات : 940
الشيخ : الشيخ أحمد آل عبد الله



                       خطبة عن عرفة والعيد والتشريق


 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.



أما بعد،  أيها المسلمون:


اتقوا اللهَ تعالى فإنَّ تقواه عليها المعوَّل{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ}، واشكروه على ما أولاكم من الإنعام والخير الكثير وخَوَّل، واعلموا أنكم لا تزالون تنعمون بالعيش في أيام عشر ذي الحجة الأُوَل، والتي دلت السنة النبوية على أن العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من العمل الصالح في غيرها من أيام الدنيا، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْراً مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى، قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ )) رواه البخاري والدارمي واللفظ له. فأكثروا فيها من ذكر الله تعالى واستغفاره ودعائه وتكبيره والصلاة والصيام والصدقة وتلاوة القرآن وغيرها من الطاعات والقرب، وتوبوا إلى الله فيها توبة نصوحاً، وأقلعوا عن الذنوب والآثام، لعلكم ترحمون.


فطوبى لمن اغتنم ، بل وأعظم من ذلك وأفرح لقلب المؤمن وأسعد،من ناله قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ )



فهنيئاً لصائميه هذا الفضل، وهنيئاً لهم هذا التكفير، وهنيئاً لهم هذه المنة من ربهم: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )


 


أيها المسلمون:


اعلموا ـ جملكم الله بطاعته ـ أنه يسن للرجال والنساء، الكبار والصغار، تكبير الله ـ عز وجل ـ " الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد" التكبير المقيد وذلك بعد الانتهاء من صلاة الفريضة، لمن صلاها في جماعة أو صلاها منفرداً، بدأ من بعد صلاة فجر اليوم وإلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ثم يقطع التكبير. 



عباد الله:


إنكم على مشارف عيد المسلمين الثاني، ألا وهو عيد الأضحى، بارك الله لكم فيه، وأعاده عليكم وأنتم في صحة وعزة وحسن عمل، وإنه يسن لكم فيه هذه الأمور:
أولاً: أداء صلاة العيد، وهي من أعظم شعائر الإسلام، وقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم، وداوم على فعلها هو وأصحابه والمسلمون في زمنه ومن بعده، بل حتى النساء كن يشهدنها في عهده صلى الله عليه وسلم وبأمره، لكن المرأة إذا خرجت إلى شهودها لم تخرج متطيبة ولا متزينة ولا سافرة بغير حجاب.
ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام فالذي يرجحه الشيخ ابن عثيمين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله إنه لا يشرع قضاؤها .



ثانياً: الاغتسال للعيد، والتجمل فيه بأحسن الثياب، والتطيب بأطيب ما تجدون من الطيب.
ثالثاً: أن لا تطعموا شيئاً من الأكل بعد أذان الفجر حتى ترجعوا من صلاة العيد.
رابعاً: إظهار التكبير مع الجهر به "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد" وذلك من حين الخروج إلى صلاة العيد حتى يأتي الإمام ليصلي بالناس صلاة العيد.


أما النساء فلا يجهرن إلا بقدر ما يُسمعن أنفسهن.



خامساً: أن تذهبوا إلى صلاة العيد مشياً، وأن يكون ذهابكم من طريق، ورجوعكم من طريق آخر.



سادساً: أن ترفعوا أيديكم عند التكبيرات الزوائد من صلاة العيد إلى حذو المنكبين أو فروع الإذنين، في أول الركعة الأولى، وأول الركعة الثانية، قبل القراءة.
سابعاً: الجلوس لسماع 
خطبة العيد، وعدم الانشغال عنها بشيء كالصدقة أو التهنئة بالعيد أو إرسال رسائل الهاتف الجوال أو غير ذلك.


ثامناً: تهنئة الأهل والقرابة والأصحاب والجيران بطيب الكلام وأعذبه، ومن أفضل صيغ التهنئة أن يقول المهنئ بالعيد لأخيه: "تقبل الله منا ومنك" لثبوتها عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ .



عباد الله :  ثمة أمور ومظاهر تُرى في العيد لا يليق بالمسلمين أو المسلمات أن تقع منهم، وأن يكونوا من أهلها، أو من العاملين بها، وهذا شيء منهما:
أولاً: التشاغل عن أهم شعائر العيد وهي صلاة العيد بالنوم أو التبضع أو غير ذلك .


ثانياً: جعل النساء العيد مظهراً من مظاهر التبرج والسفور والتكشف، وإظهار المفاتن والعورات، فَتَفْتن وتُفتن، وتأثم وتتسبب في الإثم، كما يُرى منهن في وقت التزاور أو حضور الولائم أو عند الحدائق والمنتزهات، وتتعجب وقوعه ممن أنعم الله عليها بدينه وشرعه، وستره وحفظه، وأفضاله الكثيرة.



ثالثاً: حضور بعض الناس تجمعات الغناء والموسيقى والرقص وحفلات أهلها، بل قد يسافر في طلبها، فيفسد نفسه ويُكَثَّر وزره، ويبُدد ماله الذي أنعم الله عليه به، وما هكذا تشكر النعم.



رابعاً: جعل العيد محلاً للتشبه بأهل الكفر والفجور والفساد في ألبستهم وفي شعورهم وفي أفعالهم وعاداتهم. 



خامساً: تأثيم النفس بمصافحة من ليس أو ليست بمحرم، وذلك عند اللقاء في العيد والتزاور. 
سادساً: جعل العيد موسماً لزيارة المقابر والجلوس فيها والتجمع عندها ، وما جعلها موسماً للزيارة في العيد، ولا خصصها بالزيارة فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولا بقية السلف الصالح بعدهم، فإن لم نقتد بهؤلاء الأكابر الأجلاء فبمن نقتدي؟.
سابعاً: المعايدة عبر رسائل الجوال بكلمات ماجنة، وأصوات هابطة، وصور فاتنة، والمرسل هذا لا يضر إلا نفسه وأخاه وصاحبه.


بارك الله لي ولكم بالقرآن والسنة ، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة ، أقول ما سمعتم واستغفر الله إنه كان للتوابين غفورا .






الخطبة الثانية :


الحمد لله معزّ من أطاعه واتقاه، ومذل من أضاع أمره وعصاه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله ومصطفاه، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.

 


أما بعد،  أيها المسلمون:


إن التقرب إلى الله تعالى في يوم العيد بذبح الأضاحي لمن السنن الجليلة التي يتأكد فعلها في حق القادرين على قيمتها، فهي من أعظم شعائر الإسلام، والنسك المقرون بصلاة العيد، وهي من ملة إبراهيم ـ عليه السلام .


وبها يشارك أهل البلدان حجّاج البيت في بعض شعائر الحج، فالحجاج يتقرَّبون إلى الله بذبح الهدايا، وأهل البلدان يتقرَّبون إليه بذبح الضحايا، وهذه من رحمة الله بعباده؛ حيث لم يَحْرم أهل البلدان الذين لم يُقدّر لهم الحج من بعض شعائره .


 أيها المسلمون:


دونكم ـ سددكم الله ـ هذه الجملة من الأحكام المتعلقة بالأضحية:


أولاً: الأضحية لا تجزأ إلا من هذه الأصناف الأربعة، وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، ذكوراً وإناثاً، كباشاً ونعاجاً وتيوساً.


ثانياً: الأضحية بشاة كاملة أو معز كاملة تجزأ عن الرجل وأهل بيته، وذكر الشيخ ابن عثيمين أنه اذا كان معه بعض أولاده المتزوجين فيكتفى بواحدة، ما دام أنهم يسكنون معه في نفس البيت، ومأكلهم ومشربهم يكون مع بعضهم، وقد ثبت عن أبي أيوب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ، يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ ). 



وأمَّا إذا كان لكل واحد منهم شقة منفردة في نفس البيت، ومطبخ مستقل، أو جاء أحدهم بزوجته وعياله زائراً لأهله أو أهلها في أيام الإجازة والعيد فله أضحية تخصه مع زوجته وعياله.



ثالثاً: يبدأ أول وقت ذبح الأضحية ضحى يوم العيد بعد الانتهاء من صلاته وخطبته، وهذا الوقت هو أفضل أوقات الذبح لأنه الوقت الذي ذبح فيه النبي صلى الله عليه وسلم أضحيته، ومن ذبح من أهل الحضر أضحيته قبل صلاة العيد لم تجزئه، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ )) رواه البخاري ومسلم. 



وأمَّا من كان في مكان لا تقام فيه صلاة العيد كالبدو الذين يتنقلون من مكان إلى آخر بدوابهم لطلب العشب، أومن يقضون العيد في مخيماتٍ في البر، أومن يعملون بعيداً عن المدن والقرى، فإنهم ينتظرون بعد طلوع شمس يوم العيد مقدار صلاة العيد وخطبته ثم يذبحون أضاحيهم.


وآخر وقت ذبح الأضاحي هو: غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق .


رابعاً: ولا تجزئ الأضحية إلا بِما كان سليمًا من العيوب التي تمنع من الإجزاء، فلا يُضحّى بالعوراء البيِّن عورها وهي: التي نتأت عينها العوراء أو انخسفت، ولا بالعرجاء البيِّن ضَلَعُها وهي: التي لا تستطيع الممشى مع السلمية، ولا بالمريضة البيِّن مرضها وهي: التي ظهرت آثار المرض عليها بحيث يعرف مَن رآها أنها مريضة من جرب، أو حمى، أو جروح أو غيرها، ولا بالهزيلة التي لا مخَّ فيها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ ماذا يُجتنب من الأضاحي ؟ فأشار بيده وقال: «أربع: العرجاء البَيِّن ضَلَعُها والعوراء البَيِّن عورها والمريضة البَيِّن مرضها والعجفاء التي لا تُنقي» رواه الترمذي والنسائي ، فقيل للبراء بن عازب راوي هذا الحديث: إني أكره أن يكون في الأذن نقص، أو في القرن نقص، أو في السن نقص ؟ فقال البراء: ما كرهتَ فدَعْهُ ولا تحرّمه على أحد .


فهذه العيوب الأربعة مانعة من الإجزاء ، ويلحق بها ما كان مثلها أو أشد، فلا يضحّى بالعمياء ولا بمقطوعة إحدى اليدين أو الرِّجلين .


فأما العيوب التي دون هذه فإنها لا تمنع من الإجزاء، فتجزئ الأضحية بمقطوعة الأذن وبمشقوقة الأذن مع الكراهة لحديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: «أَمَرَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن وألا نضحّي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء» رواه الأربعة عدا ابن ماجه وهذه الصفات شقوقٌ في الأذن، وتجزئ الأضحية بمكسورة القَرْن مع الكراهة لحديث عُتبة بن عبدٍ السلمي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المستأصلة» رواه ابو داود ، وهي: التي ذهب القَرْن من أصله .



خامساً: المستحب عند أكثر أهل العلم في لحم الأضحية أن يتصدق المضحي بالثلث، ويُطْعِمَ الثلث، ويأكل هو وأهله الثلث.


وقد جاء عن سلمة بن الأكوع ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن لحوم الأضاحي: ( كلوا وأطعموا وتصدقوا ) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم:( كلوا وادخروا وتصدقوا ) 


وقال الشيخ ابن عثيمين : من الخطإ أن يضحّي الإنسان عن أمواته من عند نفسه ويترك نفسه وأهله الأحياء ، والأَوْلَى اتّباع السنَّة وألا يُضحّى عن الميت وحده ولكنْ يضحي الرَّجل عنه وعن أهل بيته، وفضل الله واسع .


اللهم آتي نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولها، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.


اللهم صلِّ وسلّم على عبدك ورسولك محمد خاتم النبيين وإمام المتَّقين وقائد الغُر المحجَّلين، اللهم احشرنا في زمرته، اللهم أسْقنا من حوضه، اللهم أدخلنا في شفاعته، اللهم اجمعنا به في جنّات النّعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء والصالحين .


ربنا أَصْلح لنا ولاة أمورنا وأَصْلح بطانتهم يا رب العالمين؛ إنك على كل شيءٍ قدير .


عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزِدْكُم، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾  .


 


الشيخ أحمد آل عبد الله