لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

حب المال وآثره في الفتن
القسم :منبر الجمعة



بتاريخ : 01-10-2016 02:55
عدد الزيارات : 734
الشيخ : الشيخ عبد الله الحبيب



                              حب المال وآثره في الفتن


                                  الشيخ عبد الله الحبيب


 


إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70، 71]  أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.


- لقد اعتنت الشريعة بالمال كسباً وإدارةً وإنفاقاً، فلا بركة إلا بكسبه من الحلال، ولا نجاة إلا بانفاقه في مباحِ، والنفوس مجبولة على حب المال، وكم فرطت في الحقوق بسبب حب المال ، فكم فرط بالتوحيد ووقع الناس في  الكفر وانتشر الشرك بسبب حب المال  ، وكم سفك من دمٍ بسبب حب المال ، وكم قطع من رحمٍ بسبب حب المال، وكم ارتكبت من مظلمة بسبب حب المال، ولو كان لابن آدم واديٍ من ذهبٍ لتمنى أن يكون له واديان ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.


- والشريعة لم تغفل عن شغف النفوس وتعلقها بالمال، وما أحدث ذلك التعلق من آثار سيئة على الفرد والمجتمع فحذرت من فتنة المال ، وعالجت أثر حب المال في السمع والطاعة للإمام ولزوم الجماعة، فبينت الشريعة أن السمع والطاعة للإمام بالمعروف ولزوم البيعة أمر ديني يقدم على محبة المال، قال صلى الله عليه وسلم ( ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: _ وذكر صلى الله عليه وسلم _  وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ ) أربع عقوبات أخروية موعود بها من كان سمعه وطاعته وبيعته للإمام  لأجل الدنيا .


أيها المسلمون ولزوم البيعة ولزوم السمع والطاعة  للإمام إن كانت تعبداً لله وطاعة له فإنها تقتضي تطبيق حديث عبادة بن الصامت قال ( أَنْ  رسول الله صلى الله عليه وسلم بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ) فالسمع والطاعة واجبة فيما كره الإنسان وما لم يكره  ، ما لم يؤمر بمعصية لله  ، ومن نصوص السمع  والطاعة  قول النبي صلى الله عليه وسلم ( السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ أَكْرَمَهُ أَكْرَمهَ اللَّهَ، وَمَنْ أَهَانَهُ أَهَانَهُ اللَّهُ ) وإن من الإكرام له تقبل أوامره وتنفيذها ما لم تكن فيها معصية لله ، وهذا هو الأصل وأما من تهكم بأوامره واستنقصها عند الناس وشغب عليه فإن له نصيب من قول النبي صلى الله عليه وسلم وَمَنْ أَهَانَهُ أَهَانَهُ اللَّهُ .


- أيها المسلمون ولقد  استغل الخوارج شغف القلوب بالمال وتقديسها له ، فكانوا سبباً في خروج ضعفاء العقول على ولاة أمرهم على مر قرون الإسلام  ، وسجل السابقة الأولى في الخروج بسبب المال إمامهم الأول  عبدالله ذو الخويصرة التميمي الذي  خرج على النبي صلى الله عليه وسلم وأدعى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعدل وحاشاه ذلك ، ثم كان الخروج الثاني بسبب المال في عهد عثمان رضي الله عنه  فاستباحوا دم الخليفة الراشد ذا النورين وقتلوه في حادثة كانت سبب لبدء الفتنة في الأمة فلم تجتمع للإمة بعدها كلمة .


- أيها المسلمون والشريعة قد تعرضت لما قد يحصل في الأموال من إستئثار ، فقال صلى الله عليه وسلم في ( إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ ) أي استئثار بالمال لفئة دون الناس ، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم  بالمظاهرات ولا الإعتصامات  ولا التشنيع على ولاة الأمر في المجالس والناس وإنما وجه بلزوم الصبر للسلامة من فتنة المال ، وقال صلى الله عليه وسلم  فيمن أخذ ماله ظلماً وعدواناً  ( تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ) ومثل هذه الصورة لم تحصل لنا ولله الحمد ولكن مع حصولها فأنت مأمور بالسمع والطاعة.


- أيها المسلمون ولخطر شهوة المال حذر السلف منها وكان ديدنهم وهديهم هو الالتزام بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم فهو سبيل النجاة ، فحذروا من الكلام الذي يبغض في السلطان ويفرق الناس عنه ، لأن الاجتماع على السلطان يحصل به من الخير مالا يحصل بالتفرق عنه ، فالضروريات الخمس حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال ، وإقامة الحدود وأمن السبل والجمع والجماعات لا يمكن أن تتوفر إلا بولي أمر يسوس الناس ويحكمهم ولو كان ظالماً .


- أيها المسلمون وإدارة المال العام وصرفه من اختصاص الحاكم ، وإجراء الأجور وتقديرها راجع له، والأجر ليس بحق مكتسب إلا لمن أحسن العمل وانتهى منه ، وأما ما يستقبل من عمل فيجوز لولي الأمر باجتهاده أن يزيد وينقص في الأجور بما يرى فيه المصلحة ، والأجير بالخيار إن شاء بقي في عمله بأجره الجديد وإن شاء انصرف عنه ليبحث عن غيره


- أيها المسلمون والأولى بالناس ألا يتحدثوا فيما هو من خصائص ولي الأمر وأن يأخذوا بحديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي سمعتموه ( وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ ) فإن أمر إدارة المال العام إنما هو من اختصاص ولي الأمر ، فعلى كلٍ منا أن يهتم بإتقان عمله فقط الذي يقوم به ليترتب عليه حلال الأجر وصلاح الولد وعليه بحسن التصريف في المال والتدبير


- أيها المسلمون وهاهم الذين تركوا هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأموال وأخذوا بما تمليه العواطف والشهوات ، قد حلت ببلادهم الفتن ، فأزهقت الأنفس ، وشردت الناس ، ودمرت الممتلكات.


 -أيها المسلمون وعلينا أن نكون أوفياء لبلاد التوحيد بلاد السنة المملكة العربية السعودية ، التي بفضل الله تعالى الذي من علينا بقيامها ، تبدلنا الشرك بالتوحيد ، والفقر بالغنى ، والمرض والأوبئة بالعافية ، والخوف بالأمن ، والفرقة باجتماع اللحمة ووحدة الكلمة وتآلف القلوب ، ولاة أمرنا يسهرون على راحتنا ، نفقات هائلة لتوفير سبل العيش الكريم لكم ، ونفقات هائلة لحماية البلاد من الصائلين والحفاظ على الأمن من العابثين ، والله لو طلبوا أموالنا وأنفسنا وأولادنا لتعجلنا بها لهم ، وفاءً لهذا البلاد وحفاظا على عقيدة التوحيد والتزاما بالسمع والطاعة ودفعا عن مكتسبات وثوابت هذا البلد فكونوا على هدي السلف الصالح رضوان الله عليه واسلكوا سبيل النجاة يجتمع لهم سعادة الدنياونجاة الآخرة .


أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم