لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

مأساة حلب
القسم :منبر الجمعة



بتاريخ : 25-12-2016 01:53
عدد الزيارات : 399
الشيخ : أحمد بن ناصر آل عبدالدالله


الحمد لله الذي للإسلام هدانا، وأطعمنا ، ومن بين الأمم اصطفانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو حسُبنا ومولانا، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسوله افصح الناس بيانا،صلى الله عليه وعلى أله وصحبه الذين كانوا له في الدين أعوانا
أمَّا بعدُ: فاتَّقُوا اللهَ عباد الله, فالتَّقوى أَفْضَلُ مَا تُدْفَعُ بِهِ البَلايا:( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ )
عباد الله :إن ما يحل بالأمة الإسلامية اليوم من إحن ومصائب كلها مما قدره الله ، فما نراه ونسمعه عبر القنوات من مشاهد وأيم ربي تقتل القلب كمدا وتسيل العين دما ، تبلدت أحاسيسنا من كثرة المجازر الوحشية ، وقلَّ اكتراثنا من صور المقابر الجماعية .
فلن نتحدث عن مستشفيات للمرضى قصفت ودمرت، ولن نتكلم عن بيوت آمنة تدك وتقبر بمن فيها ، ولاعن طفل 
يندب اخوته ولا مسن قطعت الشضايا جسده  ، فتلك : 
مجازر ضجت الفلوات منها        وشاب لهنَّ ناصيةُ الوليدِ
الا أن سلوتنا أن فَجِيعَتنا بِإِخْوَانِنا فِي حَلَبَ ، وَحُزْنُنا عَلَيْهِمْ الكَبِيرٌ، وَالشُّعُورُ بِالْأَلَمِ مما يُؤْجَرُ عَلَيْهِ الْمُـَتَأَلِّمُ كَمَا يُؤْجَرُ الْمُصَابُ عَلَى مُصِيبَتِهِ. وَإِنَّ قُلُوبًا تَقَطَّعَتْ مِمَّا أَصَابَ الْحَلَبِيِّينَ، وَإِنَّ عُيُونًا مُؤْمِنَةً فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا مَا جَفَّ دَمْعُهَا حُزْنًا عَلَى مُصَابِ إِخْوَانِهِمْ، وَإِنَّ سَجَدَاتٍ أُطِيلَتْ فِي هَزِيعِ اللَّيْلِ الآخِرِ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ وَهُمْ يُوَاجِهُونَ أَرْذَلَ الْأَعْدَاءِ وَأَشَدَّهُمْ حِقْدًا وَكَرَاهِيَةً وَانْتِقَامًا لن تضيع سدى ، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) 
ومع ذلك فلا نقول في هذا المُصاب الجَلَل، والحُزن العظيم 
المؤلم إلا ما يرضي الله عنَّا: فإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرنا في مصيبتنا، وأخْلِف لنا خيرًا منها .   ونقول لإخواننا في سوريا: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلُ شيءٍ عنده بأجل مُسمَّى، فلتصبروا ولتحتسبوا. فبالصبر، يقول ربنا جل وعلا: { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ )
واللجوء والتضرع الى الله فإنه تعالى قد ذمَّ ووبَّخ أقوامًا لم يتضرعوا إليه حين ابتلاهم، فقال  عزَّ وجلَّ -: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ )
فحين تتأزم الأمور وتتابع الأخبار المكدرة وتشتد الأحداث, قد يبرز للبعض داء القنوط واليأس, والقنوط هو قاتل الرجال ومحطم الآمال.
والواجب علينا أخذ العبرة لئن لا يصيبنا ما أصابهم ، ففي 
الأمس القريب زيّن دعاة الثورات ومؤججوا الفتن واصحاب الربيع العربي للناس الخروج على حكامهم ، وأنها ثورات محقة ومباركة هي ربيع للشعوب الإسلامية ، ويقول أحدهم وماذا لو قتل مليون من الشعب السوري ، بل الداعية الآخر أكرم منه فقد أهدى ثلاثمائة مسلم للقتل لبشار ، هكذا تلاعبا وعبثا بدماء المسلمين ،   فخالفوا بذلك السنن الشرعية ، وخرجوا عن الطريقة السلفية الأثرية ،وناكثوا كبار علمائنا وسموهم علماء السلاطين  والمكيفات والمانعين لتلك  ، فهذا واحد من عشرات العلماء وقبل مايقارب العشرين عاما يقول:( هاتوا لي ثورة من الثورات صار الناس فيها أصلح من قبل،لن تستطيعوا ذلك )ثم هاهم اليوم يحاولون إخفاء سوأتهم ، ويستغفلون الناس ليعودوا لنشر ضلالتهم ، بإلقاء التهمة على غيرهم ، مِن سبٍّ ولعن وتحريض على ولاة أمر المسلمين أو رميهم بالخيانة والعمالة ، فالحذر يا عباد الله من كل فتّان ، وعليكم بالعلماء الراسخين الذين يستقون من معين الكتاب والسنة ومعتقد سلف الأمة   .
عباد الله :ما سُلط علينا أعداؤنا من أهل الكفر أو أهل البدع والضلال، ولا حلَّت في ديارنا الحروب، وكثر القتل في صفوفنا، وزادت نكباتنا، واشتدت محننا ، إلا بسبب ذنوبنا وآثامنا ومعاصينا، إلا بسبب ما يقع مِن أمور شركية وبدع ومعاص، وصدق الله، وكذب المحللون المتخرصون، حيث قال – جلَّ وعلا -: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ )
ومن دروس محنة حلب ومآسيها أنها أثبتت صدق ما قاله العلماء الأكابر عن حقيقة المذاهب الرافضية، وعداوتهم للشعوب السنية، فلقد ظن البعض أن رواياتهم وعقيدتهم في استحلال الدم السني قد طواها الزمان، فإذا تلكم الأحداث تصدق هذه العقيدة المخفية ، لتنمي في عقيدة المسلم البراء والبغض لهم ، خلاف ما يدعو  إليه كثير من دعاة الثورات من تمييع العقيدة معهم وأنهم اخوان لهم ، وأنه لا مانع من بناء مدارس لهم في بلاد التوحيد يدرسون فيها مناهجهم بتكفيرهم للصحابة ولعنهم ورمي ام المؤمنين عائشة بالزنا والعياذ بالله ، بل يفتري الآخر بأنه ليس هناك تصادم تاريخي حتمي وانما هو تباين منهجي فقط ، مما يبين لكل ذي عقل أنهم لا يريدون دينا ، ولا انتصارا للإسلاميين ، وانما طلبا لحرية الشعب ورد الأمر له .
كفى الله المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن .
اقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية :
الحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ، يا رَبُّ! قَلَّ رَجَاؤُنا إلاَّ فِيكَ ، وَضَعُفَت قُوَّتُنا إلاَّ بِكَ؛ نَشهَدُ ألاَّ إلهَ إلاَّ أنتَ، تُؤتي المُلكَ مَن تَشاءُ، وتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشاءُ، وتُعِزُّ من تَشَاءُ, وتُذِلُّ من تَشاءُ، ونَشهدُ أنَّ نبينا مُحمَّدَاً عبدُ اللهِ وَرَسولُهُ الَّلهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عليهِ,وعلى آلهِ وأَصحَابهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإحسَانٍ وإيمَانٍ إلى يومِ الدِّينِ. أمَّا بعدُ:
عباد الله : من أحداث سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لما انقضت غزوة أحد، ووضعت الحرب أوزارها بعد أن خلَّفت وراءها جراحاً غائرة، وآلاماً شديدة، بل إن سيد البشر قد شُجَّ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَّتُهُ، وَغَارَتْ حَلَقَةُ الْمِغْفَرِ فِي وَجْنَتِهِ ، وفقد الجم من صحابته ، فما إن يرجع الى المدينة إلا والأخبار تأتيه أن المشركين قد أزمعوا العودة إلى المدينة وقد جمعوا عدداً أكثر.
فيقوم ويندب الناس للخروج لهم، تصوروا تلك الحال الحرجة والبلاء الشديد ،فيستجيب له الصحابة رغم الكُلُومِ والهموم، قد توكَّلوا على الله، وفوَّضوا أمرهم إليه، قائلين حسبنا الله ونعم الوكيل ، وفي هذا نزل قول الحق: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَرَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ نَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيتَ بِهِ أَجَبْتَ، وَإِذَا سُئِلْتَ بِهِ أَعْطَيْتَ نَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، نَسْأَلُكَ فَرَجًا مِنْ عِنْدِكَ لِإِخْوَانِنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي حَلَبَ وَفِي سَائِرِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ وَفِي كُلِّ بَلَدٍ يُذَلُّ فِيهِ أَهْلُ دِينِكَ. اللَّهُمَّ فَرِّجْ كَرْبَهُمْ، وَارْحَمْ ضَعْفَهُمْ، وَاجْبُرْ كَسْرَهُمْ، وَتَوَلَّ أَمْرَهُمْ، وَأَدِرْ دَوَائِرَ السُّوءِ عَلَى أعدائك وأَعْدَائِهِمْ. اللَّهُمَّ ارفع الضر عن إخواننا المسلمين في سوريا، وسلِّم أنفسهم وأهليهم وأموالهم وديارهم من النصيرين ومن ساندهم.
اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْبَاطِنِيِّينَ وَالصَّلِيبِيِّينَ وَمَنْ عَاوَنَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اخْضُدْ شَوْكَتَهُمْ، وَشَتِّتْ شَمْلَهُمْ، وَارْفَعْ أَمْنَهُمْ، وَأَعِدْهُمْ إِلَى ذُلِّهِمْ وَهَوَانِهِمْ، 
وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ.
اللَّهُمَّ ضَعُفَ النَّاصِرُ إِلَّا بِكَ، وَانْقَطَعَ الرَّجَاءُ إِلَّا فِيكَ، وَلَا حَوْلَ لِإِخْوَانِنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ وَلَا قُوَّةَ لَهُمْ إِلَّا بِكَ، اللَّهُمَّ فَثَبِّتْهُمْ، وَاحْقِنْ دِمَاءَهُمْ، وَصُنْ أَعْرَاضَهُمْ، وَفُكَّ حِصَارَهُمْ، وَاشْفِ جَرْحَاهُمْ ، وَتَقَبَّلْ قَتْلَاهُمْ فِي الشُّهَدَاءِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللهم آمنا في الأوطان والدور ، وأصلح الأئمة وولاة الأمور لا إله الا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين  اللهم اغثنا اللهم اغثنا ، اللهم تابع علينا خيراتك، اللهم اجعل ما أنزلته صيبا نافعاً، وعطاء مشفوعاً برضى، اللهم وزدنا بغيثك المدرار ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثا مغيثا، سحا طبقاً، عاجلاً غير آجل، تسقي به البلاد وتنفع به العباد، وتجعله زاداً للحاضر والباد يا ذا الجلال والإكرام 
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .