لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

أثر تصدر أهل الأهواء على حياة الأمة / خطبة للعيد
القسم :عبد الله الحبيب



بتاريخ : 24-06-2017 10:23
عدد الزيارات : 198


أثر تصدر أهل الأهواء على حياة الأمة - خطبة عيد -

إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً.

أمّا بعد فإن حلول النقم وزوال النعم وذهاب الأمن وتبدل الحال إلى الأسوأ لا يأتي بين عشية وضحاها وإنما هو نتيجة سنين من تزايد الجهل بمعنى الإسلام ، ورواج خصال الجاهلية بسبب دعاة الأهواء ، ولا شك عباد الله أن أعظم أهل الأهواء تأثيراً في الناس من صدروا رؤوسا للمجتمع ، بين منتسب للدين يروج من خلاله الضلال المبين ، وبين متشدق متفيهق في علوم النفس والكلام ، يروج الأهواء بين دعوى العقل الباطن والمثالية والأحلام . أيها المسلمون ومروجوا الأهواء وخصال الجاهلية الذين يخالفون نصوص الوحي الصريح متفاوتون في خطرهم ، لكن أقل داعي منهم لهذه الأهواء والخصال لابد مع مرور الوقت وجلوس الناس إليه إن يجد مستمعاً وإن يوجد تأثيرا ، وأن يكون لكلامه مردداً من الجهال وممن غلبتهم الأهواء ، وكم استغلت مجالس القهوة وطلعات البر ومختلف الاجتماعات في نشر الأهواء وإحياء خصال الجاهلية إما بتوظيف جراح المسلمين أو بالطعن في سياسات الدولة وخططها الاقتصادية ، ويراد من ذلك إشاعة روح التمرد ، وما هذا إلا منهج الخوارج القعدية المخالف لما جاء في الوصايا الربانية من السمع والطاعة لولاة الأمر بالمعروف والصبر على جورهم وعدم غشهم أو بغضهم .

أيها المسلمون إن ترويج الأهواء والسعي وراءها هو أصل كل شر وفتنة وبلاء وفرقة وذهاب نعمة ، ولذلك ما ذكر الله الهوى وأهله في كتابة إلا على سبيل الذم ، فقال تعالى ( وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} سورة الكهف(28) ، وقال تعالى( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ (القصص:50 ، وقال تعالى(فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (النساء:135، وقال تعالى (فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) سورة طـه16 ، وقال تعالى( فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) سورة القصص(50).

بل شبه الله سبحانه صاحب الهوى بأخس المخلوقات فقال تعالى: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} سورة الأعراف(176) فمن علم الحق، وترك العمل به، واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق، فهو كالكلب أخبث الحيوانات، وأوضعها قدرا، وأخسها نفسا، ذاك المخلوق الذي لا تتعدى همته بطنه.

ولقد جاءت السنة بالتحذير من إتباع الهوى فبينت أن إتباع الهوى مهلكة من المهلكات، قال صلى الله عليه وسلم (ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات، فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه )صحيح الترغيب والترهيب.

بل إنه لخطر الهوى وترويج الأهواء خشيه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته فقال(إنما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الهوى) صحيح الترغيب والترهيب ولقد تحقق عباد الله في صدر هذه الأمة ما خشيه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من الهوى وترويج الأهواء ، فكانت بداية شرارة الفتنة من خلال الكلام في المجالس بالباطل والكذب على ولي أمر المسلمين عثمان رضي الله عنه فعارضوا سياسته في المال وما يولي من المناصب وكذبوا عليه مالم يفعل وأشاعوا روح التمرد ، فكان السيف الذي قتل به ذو النورين رضي الله عنه ومازال هذا السيف يفتك بولاة الأمر والمسلمين حتى يومنا هذا، قال عبدا لله بن عكيم ( لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان ، فقيل له : يا أبا معبد أوعنت عليه ؟ قال : كنت أعد ذكر مساويه عونا على دمه ) البخاري في لتاريخ .

 أيها المسلمون إن تصدر أهل الأهواء المخالفون للشرع للمجالس في زمنا هذا ، وتمكينهم من الكلام ، وإصغاء الآذان لهم ، وعدم الإنكار عليهم ، نذير بإشاعة الفوضى وتربية النفوس على التمرد على الشريعة ، والخروج بالكلام يتبعه الخروج بالسيف ، وما يحدث حولكم في هذه الدول خير دليل على خطر أهل الأهواء وما ترتب على مجاراتهم والسكوت عليهم عند مخالفتهم لثوابت الشريعة ، فكان القتل والتشريد والخوف والجوع ، أوهموا الناس بالمطالبة بالحقوق وأشهروا لأجل ذلك السلاح فأشاعوا الفوضى وذهب الأمن ، فكانوا هم اللصوص وكم شاركوا في القتل . أيها المسلمون إن سفينة هذه البلاد التي تحملكم واحدة ربانها ولي الأمر ، تلطمها بين الحين والآخر فتن يزرعها دعاة الهوى ، وتدعمها قنوات السوء من خلال حرية الخوارج ، والرأي والرأي المعاكس ، قنوات توظف الرويبضة ليتكلم في قضايا الأمة ، تحليل للتضليل ، كلام بغير نور الوحي ، فالحذر الحذر على سفينتكم أن تخرق من أهل الأهواء ، وخرقها إذا لم يتدارك فإنه يتسع ويصعب الإصلاح فيكون الغرق والهلاك اللهم أجرنا من مضلات الأهواء، وسلم بلادنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن يا رب العالمين . أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.

الخطبة الثانية

أيها المسلمون إن مروجي الأهواء وخصال الجاهلية الذين يتصدرون المجالس لا يستحضروا ما لله ورسوله فيما يعرض لهم ، لا حكَمَةَ له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام إلا الهوى ولهم نصيب من قول الله تعالى(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (الجاثـية:233 إن مروجي الأهواء وخصال الجاهلية خنجراً في خاصرة الأمة، وسوطاً يلهبُ ظهرَها، وعيناً يكشف سرها، ويبدي سوأتها، ويهتك سترها، يسعون في كل أمر يفرق الأمة ، يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله ، يتبعون شرار المسائل ليعموا بها عباد الله . فالحذر الحذر عباد الله من مروجي الأهواء الذين تصدروا المجالس والشاشات. واعلموا أن الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة هو أصل دين الإسلام ، فمن أسلم وجهه لله ووقف عند حدود الله فقد اهتدى ، ونال الدرجات العلى ، قال تعالى( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (النازعـات:40،41 ، وأما من اتبع نفسه هواها فإن عاقبته الهلاك والخذلان قال تعالى( فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (النازعـات:37ـ 39)