لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

الحرية بين ضبط الشريعة وغلو الحركيين والليبراليين
القسم :منبر الجمعة



بتاريخ : 05-10-2017 08:50
عدد الزيارات : 754
الشيخ : د. عبد العزيز بن ريس الريس



[ الحرية بين ضبط الشريعة وغلو الحركيين والليبراليين]

 


 بسم الله الرحمن الرحيم

 


الخطبة الأولى:

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ,

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }

 


أما بعد:

فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة

 


إن الله خلقنا لحكمة عظيمة وهي عبادته ، كما قال سبحانه : {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إلا لآمرهم وأنهاهم .

وقال سبحانه : {فاعبد الله مخلصًا له الدين ألا لله الدين الخالص} ، وقال سبحانه : {فاستمسك بالذي أوحي إليك} ، وقال سبحانه : {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ، وقال سبحانه : {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} .


فنحن عبيد لله ، وعبادة الله أعظم المراتب والمناقب ، لذا لما ذكر الله نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم في مقام عظيم وهو مقام الإسراء ذكره بالعبودية ، قال سبحانه : {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا} ،

وإن العبد لا يخرج عما يريد سيده ومولاه سبحانه وتعالى ، فما وسّع له فيه وجعل له فيه حرية فإنه يتوسّع ، وما ضيّق له فيه فإنه يُضيِّق ، فوسَّع للعباد في فعل المباحات فلهم أن يفعلوا المباحات كيفما شاؤوا ، ووسع للعباد في ترك المستحبات ، وإن كان فعلها أفضل ، وضيّق على العباد في ترك الواجبات وفي فعل المحرمات ، فنضيق على أنفسنا بقدر ما ضيق ربنا سبحانه وتعالى ، فنحن عبيد لا نخرج عما يريد سيدنا وربنا سبحانه ،


لذا ليس لنا من الحرية إلا ما جعلها الله لنا ، أما ما عدا ذلك فهي حرية مردودة ، فكل من استعمل الحرية في رد الأدلة الشرعية فقد استعملها على وجه محرم ، وهي بهذه الصورة تكون طاغوتًا

كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (الصواعق المرسلة) أن المجاز طاغوت لأنه استُعمل في تأويل الأسماء والصفات ، وهكذا إذا استُعملت الحرية في مخالفة الشريعة فإنها طاغوت ، فقد ذكر القرطبي في تفسير الطاغوت أقوالًا ، ومما ذكره أن كل مطاع في معصية لله فهو طاغوت ، وقال: هذا تفسير حسن ، ومن ذلك أن استعمال الحرية في مخالفة الشريعة طاغوت ، أسأل الله أن يكسره بقوته وهو القوي العزيز .


وقد ابتُلينا بدعاة الليبرالية الغربية الذين استقوا مبادئهم من الغرب، وخلاصة مذهبهم أن العبد حرٌ ، فله أن يفعل ما شاء كيفما شاء ، بشرط أن لا تتعدى حريته إلى حرية غيره ، فلو اتفق شاب وشابة على الزنا وهما متراضيان فإنه على مبدأ الليبرالية هذا مسموح غير ممنوع ، بل إنه على مبدأ الليبرالية يُسمح بالمثلية ، بأن يتزوج الذكر الذكر والأنثى الأنثى بشرط أن يكون الطرفان متراضيين ، فإذا تراضى الطرفان فإنه يصح ، فإذن كل أحد حرٌ ما لم تتعد حريته إلى غيره بدون قيود شريعة ولا غيرها  وهذا المبدأ مبدأ كُفري  .


وقد رأيت أقوامًا من بني جلدتنا يتسمون بالليبرالية جهلًا بحقيقة الليبرالية ، لأنه يظن أن الليبرالية تعني الثقافة ، فلذلك صار بعضهم يتبجح بأنه ليبرالي!! ،


وليعلم أن الليبرالية الحقيقية بمعناها الحقيقي الذي تقدم كفر وضلال من أوجه :

-         الوجه الأول : كل دليل في الشريعة فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخالف لمبدأ الليبرالية ، قال سبحانه : {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} ، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث النبوية ، فمبدأ الليبرالية يكفر بنصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا كفر  .

-         الوجه الثاني : أن الليبرالية تكفر بكل نص في الشريعة فيه الأمر بإقامة الحدود على الزناة و شرّاب الخمر ..إلى غير ذلك.

-         الوجه الثالث : أن الليبرالية تكفر بكل نص في الشريعة فيه النهي عن الرّدة والحكم على المرتد بالقتل كما أخرج البخاري عن عبدالله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من بدّل دينه فاقتلوه" . وهذا النص قد أجمع العلماء عليه فقد أجمع العلماء على أن الرجل المسلم إذا ارتدّ بعد إسلامه فإنه يجب قتله ، حكى الإجماع  ابن عبد البر وابن قدامة وابن رجب ، وغير واحد من أهل العلم ، وإنما حصل خلاف في المرأة لمعنى موجود في المرأة لا لدافع الحرية ، وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أن المرأة تُقتل كما هو قول مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ، وهذا هو الصواب لقوله : "من بدل دينه" و "من" لفظ عام يشمل الذكر والأنثى .


فإذن ما تقدم من الأوجه الثلاثة وغيرها من الأوجه الكثيرة كلها دالة على أن مبدأ الليبرالية كفر ومخالف للشريعة المحمدية .

فبهذا تكون الدعوة إلى الليبرالية دعوة إلى الكفر  .


ثم إنه لا يكاد أن يوجد ليبراليٌ صادقٌ في دعوته لليبرالية ، وذلك أن أكثر هؤلاء الليبراليين الضالين هم في حقيقة أمرهم شهوانيون يريدون أن يتسلقوا بالدعوة لليبرالية للوصول للمرأة  لقضاء شهواتهم وغرائزهم على وجه محرم مخالف للشريعة المطهرة ،


ومن تناقض دعاة الليبرالية أنهم يدعون لالتزام القوانين بالدول ، فيقال : إذا كانت الليبرالية عندكم قابلة لالتزام القوانين الوضعية في الدول فإذن التزام أوامر الله عز وجل من فوق سبع سماوات في قرآن أُنزل ويُتلى أولى وأولى ، كما قال سبحانه : {أن احكم بينهم بما أنزل الله} ، وقال سبحانه : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} .


اللهم يا من لا إله إلا أنت ، اللهم مُنّ علينا بعبادتك ، واجعلنا عبيدك حقًا ، ومتبعين لشريعتك صدقًا ، اللهم إنا نسألك أن لا نعصيك باسم الحرية ولا غيرها ، يا أرحم الراحمين .

أقول ما تسمعون ، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

 


الخطبة الثانية :

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد :

فإن ما تقدم ذكره هي الليبرالية الغربية الكفرية، وهناك أناس يتسمّون بالإسلاميين ، بل بدعاة إسلاميين ، أرادوا أسلمة الليبرالية ، وأن يجعلوها موافقة للشريعة مع أنها كفر وضلال مبين، واستدل هؤلاء بأدلة واهية للغاية ، لكنهم اعتقدوا ثم سعوا لتسويغ ما اعتقدوه .


ومما استدلوا به قوله تعالى : {لا إكراه في الدين} ، فقالوا كل أحد حر له أن يتدين بما يشاء ، فللمسلم أن يرتد، وأن ينتقل إلى اليهودية بعد كونه مسلمًا، وهذا ضلال مبين ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "من بدل دينه فاقتلوه" ،


فإن قيل: على ماذا يحمل قوله تعالى : {لا إكراه في الدين} ؟

فيقال: يحمل هذا على أحد أمرين؛ ذكر هذين الأمرين ابن كثير في تفسيره :

-         الأمر الأول : أن الآية منسوخة بآيات الجهاد .

-         الأمر الثاني : أن الآية محمولة على الكفار إذا دفعوا الجزية ، كما قال سبحانه : {حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} .

فإذا دفع الكفار الجزية في حال قوة المسلمين فإننا لا نُكرههم على الإسلام، بل يبقون كافرين، لكنهم تحت حكم المسلمين .


واستدل هؤلاء أيضًا بقوله تعالى : {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ،

فيقال : إنه لا يصح الاستدلال بهذه الآية بحال ، لما تقدم ذكره من الأدلة وأنه ليس للعبد الحرية في أن يُغير دينه من الإسلام إلى الكفر،

وأيضًا يُقال : إن هذه الآية سيقت مساق التهديد ، فالله يقول : {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها} ، فهي على سياق التهديد ، كأن يقول الرجل لولده المهمل : إن شئت أن لا تذاكر -وهو يهدده- أي إنك إذا لم تذاكر فإني سأعاقبك ، فهذا على وجه التهديد لا على وجه التخيير كما بين ذلك علماء الإسلام قاطبة ، ونحن مأمورون أن نفهم الكتاب والسنة على فهم أهل العلم ، كما قال سبحانه : {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا} .


ثم ما تقدم من الأدلة واضح في أنه ليس للعبد الحرية في أن يتنقل من دينه ، ولا الحرية في أن يفعل ما شاء من المعاصي لأن الشريعة جاءت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحن مأمورون أن نؤمن بالأدلة كلها ، كما قال سبحانه : {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة } ، أي في الإسلام كله .


واستدلوا بقوله تعالى : {قل يا أيها الكافرون} إلى قوله : {لكم دينكم ولي دين} ، فيقال إن هذه الآية محمولة على أمور ، منها :

قد ذكر ابن الجوزي في تفسيره ثلاثة أقوال في سبب نزولها ، وكل هذه الأقوال ترجع إلى أن الكفار طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمن بدينهم عامًا على صفة ، ويؤمنون هم بدينه على صفة ، أي تؤمن بديننا تارة ونؤمن بدينك تارة ، فنزلت هذه الآية وقال سبحانه : {لكم دينكم ولي دين} ، أي لا يصح أن أؤمن بدينكم البتة ، ولا أن أؤمن بشيء من دينكم ولو كان زمنًا قليلًا ، فإذن ليست الآية مساقة مساق أن الكافر حرٌ في كونه كافرًا ، أو أن للمسلم أن يرتد بعد إسلامه .

ويؤكد ذلك ما ذكره العلماء في سبب نزولها ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ما تقدم ذكره من الأدلة في أن " من بدل دينه يُقتل" ، وكذا الأدلة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .


فيا حسرتاه ، ويا لله العجب ، أن يبلغ المسلمون هذا المبلغ درجة من الضعف بحيث يخرج منهم من يُريد أسلمة الليبرالية باسم داعية إلى الله ، حتى قال أحد الضلال الكبار ودعاة البدعة والضلالة يوسف القرضاوي : إن الحرية مقدمة على الشريعة.


عجبًا والله ! ، كأن الله خلقنا للحرية ! ولم يخلقنا لعبادته ! ووافقه على ذلك جمع من الإخوان المسلمين ومن المتأثرين بهم كمحمد عمارة ، وطارق السويدان ، وغيرهم ، فلذا إخوة الإيمان الله الله الثبات ، الله الله الثبات على دين الله ، الله الله التمسك بدين الله ، الله الله أن لا تزعزعنا الفتن ، وتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، واستمسكوا بدينكم حتى تلقوا الله راضيًا عنكم .

 


د. عبد العزيز بن ريس الريس