لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

بطلان دعوى الحرية عند العلمانيين والملحدين وبيان مفاسدها
القسم :عبدالرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله-



بتاريخ : 13-12-2017 03:20
عدد الزيارات : 1136


[بطلان دعوى الحرية عند العلمانيين والملحدين وبيان مفاسدها]


قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله تعالى-:


العبد في حركات بدنه وتصرفاته، وفي معاملاته المالية= داخل تحت حجر الشريعة، فما أبيح له منها فَعَلَه، وما منعه الشرع تعيَّن عليه تركُه.

ومن يزعم أنه في ماله حر، له أن يفعل ما يشاء من معاملات طيبة وخبيثة؛ فهو بمنزلة من يرى أن عمل بدنه كذلك، وأنه لا فرق عنده بين الكفر والإيمان، والصدق والكذب، وفعل الخير والشر، الكل مباح.

ومن المعلوم أن هذا مذهب الإباحيين الذين هم شر الخليقة، ومذهب قوم شعيب يشبه هذا؛ لأنهم أنكروا على شعيب لما نهاهم عن المعاملات الظالمة، وأباح لهم سواها، فردوا عليه أنهم أحرار في أموالهم، لهم أن يفعلوا فيها ما يريدون، ونظير هذا قول من قال: {إنما البيع مثل الربا}.

فمَن سَوَّى بين ما أباحه، وبين ما حرَّمه الله؛ فقد انحرف في فطرته وعقله بعدما انحرف في دينه.

[تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن - مجموع مؤلفات ابن سعدي (3/213)].

وقال الشيخ -رحمه الله تعالى-:

ومن الآيات المتعلقة بالسياسة الشرعية: جميع ما شرعه الله من الحدود على الجرائم، والعقوبات على المتجرئين على حقوقه وحقوق عباده، وهي في غاية العدالة والحُسن، وردع المجرمين، والنكال والتخويف لأهل الشر والفساد، وتطهير المجتمع من فسادها، وتنقيته من جراثيمهم، وفيها صيانة لدماء الخلق وأموالهم وأعراضهم.

والآيات التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكلم بالحق مع من كان، وفي أي حال من الأحوال، وكذلك ما فيه من النهي عن الظلم= فيه إرشاد لإعطاء الناس الحرية النافعة، التي معناها التكلم بالحق والدعوة إلى الصالح للأمة، وفي الأمور التي لا محذور فيها.

كما أن الحدود والعقوبات، والنهي عن الكلام القبيح والفعل القبيح= فيها ردع عن الحرية الزائفة الكاذبة، التي يتمشدق بها الحمقى والسفهاء، الذين عموا وصموا، فلا يرون ما حل بأمم الغرب من الدمار من ثمرات هذه الحرية الفاجرة الخاسرة؛ فإن ميزان الحرية الصحيحة النافعة هو ما أرشد إليه القرآن والنبي -صلى الله عليه وسلم-.

وأما إطلاق عنان الجهل والظلم، والأقوال الضارة للمجتمع، المحللة للأخلاق؛ فإنها من أكبر أسباب الشر والفساد، المؤدية إلى الفوضى المحضة، وانحلال الأخلاق التي هي قوام كل أمة.

فنتائج الحرية الصحيحة أحسن النتائج، ونتائج الحرية الفاسدة أقبح النتائج، فالشارع فتح الباب للأولى، وأغلقه عن الثانية، تحصيلًا للمصالح، ودفعًا للمضار والمفاسد، والله أعلم.

[القواعد الحسان لتفسير القرآن - مجموع مؤلفات ابن سعدي (3/420)]

وقال الشيخ -رحمه الله تعالى-:

قول كثير من الماديين الملحدين ومَن قلَّدهم تقليدًا أعمى: إنه يجب أن تكون الأفكار حرة، وإن لكل أحد حريته في الرأي الذي يرتئيه والاقتراح الذي يبديه على أي حال يكون.

وهذا قد ظهر أيضًا ضرره العظيم، وإن حرية الأفكار وإعطاء كل أحد حريته فيها= قد تبيَّن أنها السبب الوحيد في الفوضوية، وأنها أعظم من حرية الأفعال، بل هي أصلها؛ فإنه متى أُعطي الناس حريتهم فيها انحلت أخلاقهم وعقائدهم، ومرجت أعمالهم، وصارت البهائم أحسن حالًا منهم، وهذا هو الواقع في كل قطر أُطلقت فيه الحريات، ولم تُقيَّد بالقيود الشرعية العقلية.

فإن النفوس أمّارة بالسوء، وطبيعتها الأشر والبطر، والانطلاق خلف كل شهوة ضرت الأفراد والجماعات أو لم تضرهم.

فكما أن إطلاق الحريات في الأفعال مطلقًا لا يمكن البقاء معه، فلو تُرك لكل أحد حريته، وأن له أن يقتل أو يجرح أو يضرب أو يأخذ أموال الناس وأعراضهم؛ لفسدت الأحوال، واختلت الدنيا، ووقع الهرج والمرج والضرر الكبير.

فكذلك حريات الأفكار، متى أُطلقت؛ أتت بالمنكرات والفظائع الشنيعة، وكان من ثمرتها الخبيثة الاستغناء عن الدين، وعن الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- وإنكار ما جاءوا به، وكذلك إنكار ما دلت عليه العقول الصحيحة من وجوب التقيد والتحرز عن الأمور الضارة في الاعتقادات والأخلاق والأعمال.

ومن جرّاء حريات الأفكار ما تسمعه في الصحف الإلحادية والصحف الخليعة من المقالات التي تقشعر منها قلوب العقلاء، وقد ضرت ضررًا كبيرًا في العقائد والأخلاق، بل ضرت الحكومات والجماعات والأفراد.

أما شريعة الإسلام؛ فإنها -ولله الحمد- جاءت بتنبيه العقول والحث على التفكر في الأمور التي ينفع التفكير فيها، كآيات الله المخلوقة وآياته المتلوّة، وسلكت في تفكرها ونظرها المسالك الصحيحة، فأقرت العلوم النافعة والمعارف الصادقة، والحث على كل خلق جميل، والحذر عن كل خلق رذيل، وجعلت للأفكار حدًّا صحيحًا إن تجاوزته؛ وقعت في المهالك وأنواع الضلالات.

فالأفكار إن لم تقيِّدها العقول الصحيحة والدين الصحيح، الذي وضعه الله للعباد، فيه صلاح شئونهم وكمال أحوالهم= فإنها تحدث الفوضى والخطأ والضلال والشقاء والحمق والجنون.

[الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإسلامي - مجموع مؤلفات الشيخ ابن سعدي (3/501-503)]

وقال الشيخ -رحمه الله تعالى-:

ومن أعظم مكرهم [أي: الملحدين] : ....

أنهم قالوا: يجب أن تكون الأفكار حرة وألا تتقيَّد بشيء من القيود؛ وذلك لقصد التحلل عما جاءت به الرسل والأديان الصحيحة؛ لأنهم إذا زعموا أن لكل أحد فكرة، وأنه مهما خطر بباله من الأفكار، والعقائد الهدامة فله أن يبوح بها، ويدعو إليها، وألا يعارضها بعقيدة صحيحة ولا فاسدة= كان مضمون هذا وجوب التحلل عن الأديان، وعدم التقيّد بها، وهذا هو الإلحاد والزندقة، وهؤلاء أعظم جرمًا وأشد طغيانًا من إخوانهم السابقين الذين {قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله}.

فأولئك معهم نوع اعتراف بالله صَحِبَه الاستكبار عن الانقياد للرسل، وأما هؤلاء فقلوبهم منكرة للحق الذي جاءت به الرسل، وهم مستكبرون عن الانقياد لرسل الله وكتبه، بل مستكبرون عن الإيمان بالله.

ومن المعلوم الذي لا يتمارى فيه العقلاء أن إطلاق الحرية للأفكار، وعدم تقيّدها بالحق الثابت، الذي قامت البراهين على صدقه وحقَّيَّته= هو الكفر بالرسل، وهو الفوضى الذي يؤدي بأهله إلى الهلاك الدنيوي قبل الهلاك الأخروي.

ففوضية الأفكار هي فوضوية الأفعال، فعلى ذلك فليفعل كل أحد ما أراد من فسق وفجور وتهتك، وليطلق لحريته ما شاءت نفسه الأمارة بالسوء من فحشاء ومنكر وبغي، لا يتقيَّد بشريعة ولا بمروءة ولا بإنسانية، بل ينتقل من طور الإنسانية إلى طور البهائم، بل إلى طور الشياطين وهذا ما أرادوه، وهذا ما وصلوا إليه؛ المتوَغِّلون منهم والباقون يسعون خلفهم.

ثم إنه من المعلوم أن حرية الأفكار، وإعطاء كل أحد أن يتكلم بما يريد ويشتهي، والإرادات متباينة، والأغراض مختلفة= في هذا هلاك الحكومات والشعوب، فالخلق في غاية الضرورة إلى ضابط يضبطهم، وإلى قوانين صارمة قوية تحجزهم عن الشرور المتنوعة، ومتى أُعطوا حريتهم؛ مرجت أقوالهم، واختلت أعمالهم، وتباينت أفعالهم، فوقعوا في الفوضى المهلكة، والشرور القاتلة، والأمم التي تعمل على هذا؛ هي ساعية في طريق هلاكها الدنيوي قبل الهلاك الأخروي.

فالأفكار الصحيحة: هي الأفكار السليمة المتقيدة بالحق، التي غايتها الحق وسيرها مع الحق، وهي الأفكار التي دعا الله عباده إلى التفكير فيها في آياته المتلوة وآياته المشهودة؛ ليعرف الحق ويعمل بالحق، وذلك هو الصلاح للظاهر والباطن.

وحيث قد علم أهل العلم والهدى والرشد أن ما جاء به الرسول هو الحق، وهو الذي يهدي إلى كل خير= كان الواجب المتعين والفرض الأكيد التقيُّد بهذا الحق علمًا وإرادةً وعملًا، فتكون الأفكار حائمة حول هذا الحق المبين؛ لاستخراج علومه ومعارفه النافعة، وحول إرشاداته ومواعظه؛ لسلوك الصراط المستقيم.

وهذا التقيُّد -الذي هو أفرض الفروض على المكلفين-؛ هو ينبوع العلم وأصل الخير، ومدار صلاح الدين والدنيا عليه، وهو المانع من الفوضى، ومن الانطلاق في الهلاك، فيتقيَّد العبد بهذا الحق، ولا يتقيَّد بأي قول يعارضه، ولا بأي عمل ينافيه ولو صدر من أكابر الناس؛ لأن ما سوى الرسول -صلى الله عليه وسلم- غير معصوم، وأما ما جاء به الكتاب والسنة من الحقائق في الأصول والفروع فهو محكم معصوم، يدل على كمال اليقين العلمي واليقين العملي، {ومَن أصدق من الله قيلًا}، {ومَن أصدق من الله حديثًا}، {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل}، {إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}، {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيَّن لهم أنه الحق}، {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون}.

وإذا أردت أن تعرف الفرق العظيم بين مَن يدعو إلى تحرير الأفكار من كل القيود، وبين مَن يلتزم الحق الذي جاءت به الرسل ولا يبالي بمَن خالف ذلك، وبين مَن يلتزم العمل بالحق، وبين من يمشي بعمله مع غريزته ودواعي نفسه؛ فاضرب لذلك مثلين:

أحدهما: مَن قلبه خالٍ من التزام الحق والعمل به، وهو يجري في أعماله وأقواله على مقتضى ما تدعوه إليه نفسه من الإرادات المتنوعة؛ فإنه لا يبالي بالظلم والبغي والفحشاء والمنكر؛ فإن النفس أمارة بالسوء، فمن أطاعها طاعةً عمياء؛ قادته إلى الهلاك والخسار، تجد مثل هذا أفكاره متضاربة، ونظرياته متناقضة، وعلومه غير صحيحة، فهو في أمر مريج، في فكره وسعيه وعمله وجميع تصرفاته.

والثاني من الرجلين: رجل عرف الحق والتزمه، وعرف أن ما جاءت به الرسل حق، وأن الكتاب القرآن وسنة محمد -صلى الله عليه وسلم- جاءا بكل علم صحيح، وبكل حق وصدق، وبكل هدى ورشاد، وبكل خير عاجل وآجل، فحصر أفكاره في هذا الميدان الجليل، واستخرج من كنوز الكتاب والسنة كل حق وهدى ورشد، وتحلت نفسه بكل خلق جميل يدعو إليه الشرع، وتخلت عن كل خلق رذيل، فصار عارفًا بالحق، عاملًا بالحق، فهذا لا تسأل عما يحصل له من المعارف الجليلة، والعلوم اليقينية، والأخلاق الجميلة، والسير في جميع تصرفاته على العدل، الذي هو الصراط المستقيم، فهل يستوي هذا وذاك؟! {أفمن يمشي مُكِبًّا على وجهه أهدى أمن يمشي سويًّا على صراط مستقيم}.

فالأول ضال غاوٍ ساعٍ إلى الهلاك والخسران، والثاني مهتدٍ عالم بالحق، عامل به، يسعى إلى كل خير وبر وكرامة.

والمقصود أن الملحدين والمغتر بهم أبدوا وأعادوا في الدعوة إلى حرية الأفكار، والغرض من هذا: التحلل من أديان الرسل، ومن الأخلاق الجميلة؛ لتنطلق النفوس فيما شاءت، فتكون البهائم أحسن حالًا منها،

والعقول والأفكار متفاوتة، في إدراكها وفي مقاصدها وفي غايتها، كالإرادات، بل الإرادات تبع الأفكار، ولو أنهم قيَّدوا أفكارهم بالحق الذي جاءت به الرسل، وإرادتهم باتباع ما نزَّل الله= لكان خيرًا لهم وأقوم.

{بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم}، {ومَن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين}.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) [السنة لابن أبي عاصم (15)].

فمن كان هواه تبعًا لما جاء به الرسول لا يزيغ عنه؛ فهو المؤمن الحقيقي، وهو الذي قد هُدي للتي هي أقوم في علومه ومعارفه وأخلاقه، وهو الذي اطمأنت نفسه إلى الصدق والحق، (فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة) [أخرجه الترمذي (2518)]، والباطل صاحبه في أمر مريج.



[أصول الدين - مجموع مؤلفات الشيخ ابن سعدي (6/816-819)]

0