لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

عقيدة البراء من الكفار وحرمة بناء الكنائس
القسم :منبر الجمعة



بتاريخ : 09-02-2019 12:59
عدد الزيارات : 337
الشيخ : د. عبدالعزيز بن ريس الريس


[عقيدة البراء من الكفار وحرمة بناء الكنائس]


 

الخطبة الأولى:





الحمد لله الذي أعز أهل الإسلام بالتوحيد، والصلاة والسلام على رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم-  الذي أرسله الله لمحاربة التنديد لرب العبيد، وجعل دينه قاضيًا وناسخا لكل دين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، 

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]

أما بعد...

 

فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

 

فإن نعمة الدين نعمة عظيمة، بل لا نعمة أعظم منها، فلا دخول للجنة ولا نجاة من النار إلا بالإسلام والتوحيد.

 

وهذه النعمة لها ملتزمات وتترتب عليها مهمات، فلا يكفي مجرد الانتساب للدين الإسلامي، بل يجب القيام بمهماته قلبيًا وعمليًا، ومن ذلك التمايز عن الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم.

فإن من أصول التوحيد القيام بعقيدة البراء من الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم؛ لأنهم كفار، كما أمر الله بذلك في كتابه كثيرًا، بل لا يتم الإيمان إلا بالقيام بعقيدة الولاء والبراء من الكفار.

قال أبو الوفاء ابن عقيل-رحمه الله-: "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة".

 

ومن أعظم مهمات عقيدة الولاء والبراء ما يلي:

 

أولًا: اعتقاد أن اليهود والنصارى كفار، قال تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ}[المائدة: 73]، وهؤلاء هم النصارى، وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}[التوبة: 30]، وقال تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ}[البينة: 1]، والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى. بل من لم يكفرهم كفر مثلهم ؛لأنه يكذب القرآن.

 

ثانيًا: وجوب بغض اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار وعدائهم لأنهم كفار، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ}[الممتحنة: 1] بالمودة: أي المحبة.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[المائدة: 51].

 

بل قال تعالى: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}[البقرة: 120]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرات الدالة على وجوب بغض الكفار لأنهم كفار.

 

وقد بيّن هذا عمليًا نبينا -صلى الله عليه وسلم-  وصحابته الكرام، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-  قال: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه».

 

وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: روى الإمام أحمد بإسناد صحيح، أنه قيل لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:  إن لي كاتبا نصرانيا قال عمر بن الخطاب: ما لك؟ قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51]، ألا اتخذت حنيفا؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، لي كتابته وله دينه. قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله".

 

ثالثًا: يجب أن نعتقد حرمة بناء الكنائس في بلاد المسلمين وترميمها، فإنها معابد التثليث، أي زعم أن الله ثالث ثلاثة، وزعم أن لله ولدًا، واعتقاد الصلب الذي كذّبه الله في القرآن، قال تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} إلى قوله تعالى: {بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}[النساء: 157-158].

 

وتأمل هذه الآيات العظيمات التي تُبيّن عِظَم خطورة ما يعتقده النصارى من أن لله ولدًا، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا . لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا . وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا}[مريم: 88-93].

 

وقد أجمع العلماء على عدم بناء الكنائس في بلاد المسلمين بل يجب هدمها ومن حكى الإجمع أبو بكر الطرطوشي المالكي –رحمه الله-ونقل عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز أنهم أمروا بهدم الكنائس وحكى الإجماع السبكي الشافعي وشيخ الإسلام ابن تيمية-رحمهما الله-

اللهم إنا نسألك الحب والبغض فيك، وألا نوالي ولا نعادي إلا فيك يا أرحم الراحمين.

 

 


الخطبة الثانية:





الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ... أما بعد:

 

فقد أخطأ بعض المسلمين في قوله تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[الممتحنة: 8]، ففهموا هذه الآية فهمًا خطأ على خلاف مدلولها، ولو تأملوا مدلولها وطالعوا الآيات الأخرى لفهموها على وجهها، فالقرآن يُفسّر بعضه بعضًا.

 

إن معاملة الكفار غير الحربيين بالحسنى لا تدل بحال على عدم عداوتهم ولا على عدم بغضهم كما أمر الله في القرآن كثيرًا، ولا تدل بحال على تصدير قساوسة النصارى وتعظيمهم ولا على إطلاق لقب الإخوّة على الكافرين، ولا تدل بحال على بِناء الكنائس في بلاد المسلمين، فشتان بين معاملتهم بالحسنى وبين هذا كله.

 

وأيضًا مما فُهم خطأ من بعض المسلمين أن إباحة القرآن الزواج من نساء الكتابيات يتنافى مع عداوة الكفار وهذا خطأ قطعًا؛ فالشريعة التي أوجبت عداءهم أجازت الزواج من الكتابيات.

فلذا الزوجة الكافرة والأقارب الكفار يُحبون حبًا طبعيًا لقرابتهم ومصاهرتهم مع بغضهم بغضًا دينيًا لكفرهم، كالدواء الكريه يُحب من جهة نفعه، ويُبغض من جهة طعمه الكريه.

 

ثم  إن الشريعة لم تُجوّز إلا زواج الرجل المسلم من المرأة الكتابية لا العكس، لأن الزوج في الغالب يُؤثّر على زوجته فتسلم لما أعطى الله الرجل من قوة عقل وغير ذلك مما يجعله مؤثرًا على زوجته.

 

ثم إنه كما أن هناك أناسًا فرّطوا كثيرًا في عقيدة الولاء والبراء فإن في المقابل أناسًا آخرين غلوا في عقيدة الولاء والبراء، فظنوا أن مقتضى عداء الكفار أن يُظلم الكفار وأن تُستباح أعراض وأموال غير الحربيين ، وهذا كله محرم في الشريعة، فإن الظلم حرام على كل أحد.

 

ومن الغلو ما يفعله التكفيريون كداعش والقاعدة وأمثالهم من الاعتداء على دماء الكفار المعاهدين، وقد نهت الشريعة عن ذلك نهيًا شديدًا، كما أخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي -صلى الله عليه وسلم-  قال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا».

 

لذا يجب أن نكون وسطًا لا إفراط ولا تفريط، وأن نتمسّك بالحق غير غالين ولا جافين، كما قال سبحانه: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}[الأنعام: 153].

 

وأختم بفتوى عظيمة للجنة الدائمة والإفتاء بالسعودية فيما نحن بصدده قالوا:

 

"ومن زعم أن اليهود على حق، أو النصارى على حق، سواء كان منهم أو من غيرهم فهو مكذب لكتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة، وهو مرتد عن الإسلام إن كان يدعي الإسلام بعد إقامة الحجة عليه، إن كان مثله ممن يخفى عليه ذلك ".

 

ثم قالوا: "ولهذا صار من ضروريات الدين تحريم الكفر الذي يقتضي تحريم التعبد لله، على خلاف ما جاء في شريعة الإسلام، ومنه تحريم بناء معابد وفق شرائع منسوخة، يهودية أو نصرانية أو غيرهما؛ لأن تلك المعابد سواء كانت كنيسة أو غيرها تعتبر معابد كفرية، لأن العبادات التي تؤدى فيها على خلاف شريعة الإسلام الناسخة لجميع الشرائع قبلها والمبطلة لها، والله تعالى يقول عن الكفار وأعمالهم: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}، ولهذا أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية، مثل: الكنائس في بلاد المسلمين وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد الإسلام، وأن لا يكون فيها شيء من شعائر الكفار لا كنائس ولا غيرها، وأجمعوا على وجوب هدم الكنائس وغيرها من المعابد الكفرية إذا أحدثت في أرض الإسلام، ولا تجوز معارضة ولي الأمر في هدمها، بل تجب طاعته، وأجمع العلماء رحمهم الله تعالى على أن بناء المعابد الكفرية، ومنها الكنائس في جزيرة العرب، أشد إثما وأعظم جرما؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة بخصوص النهي عن اجتماع دينين في جزيرة العرب، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب» رواه الإمام مالك وغيره وأصله في (الصحيحين) .

 

فجزيرة العرب حرم الإسلام، وقاعدته التي لا يجوز السماح أو الإذن لكافر باختراقها، ولا التجنس بجنسيتها، ولا التملك فيها، فضلا عن إقامة كنيسة فيها لعباد الصليب، فلا يجتمع فيها دينان، إلا دينا واحدا هو دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم".

 

 

اللهم يا من لا إله إلا أنت، يا رحمن يا رحيم، يا مجيب الدعوات ومحقق الرغبات، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الكفر والكافرين، وأحيي قلوب المسلمين بالوحي والدين واجعلهم للتوحيد والسنة قائمين، اللهم وفّق ولاة أمر المسلمين أن يُعزوا دينك وأن يُعلوا كلمتك.


 

 

د. عبدالعزيز بن ريس الريس

المشرف على موقع الإسلام العتيق

@dr_alraies

 

2 / 6 / 1440هـ