لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

الرد على من طعن في حديث حذيفة بن اليمان (اسمع وأطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأكل مالك)
القسم :محمد بن فهد الحصين



بتاريخ : 07-03-2019 06:24
عدد الزيارات : 198


الرد على من طعن في حديث حذيفة بن اليمان (اسمع وأطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأكل مالك)

عَنْ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ». قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ».

رواه الإمام مسلم في "صحيحه" (3/1476 رقم 1847).

وهذا الحديث الذي خرجه مسلم من حديث حذيفة:

قد تلقته الأمة بالقبول.

وأجمعت الأمة على صحة متنه.

وذكروه ضمن عقيدة أهل السنة والجماعة خلافًا للخوارج والمعتزلة.

وقد حاول البعض تضعيف هذا الحديث بسبب الانقطاع بين أبي سلام ممطور الحبشي التابعي الجليل وحذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-.

وهذه الشبهة مردودة من وجوه:

الوجه الأول: أن الحديث خرجه مسلم في "صحيحه"، ومقتضى هذا أنه صحيح عنده، والأصل في الصحيح أن يكون متصل الإسناد، فربما يرى أنه قد سمع من حذيفة -رضي الله عنه-.

فقد صح سماع أبي سلام من عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- وهو متوفى ستة 34هـ، فسماعه من حذيفة المتوفى سنة 36هـ أولى وأحرى.

ولم ينفِ سماعه من حذيفة إلا الدارقطني وليس له سلف في ذلك، ولم يذكر دليلًا، فتصحيح مسلم له أولى بالقبول.

وقد صححه أبو عوانة، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" ووافقه الذهبي والألباني.

الوجه الثاني: لو قيل إن أبا سلام لم يسمع من حذيفة؛ فقد ثبت سماعه من أبي إدريس الخولاني كما ذكر ذلك البخاري في "تاريخه" وابن عساكر وغيرهما، وقد ساقه الإمام مسلم بعد رواية الحديث من طريق أبي إدريس الخولاني عن حذيفة، فلا تخرج رواية أبي سلام للحديث عن حذيفة مباشرة أو عن أبي إدريس عن حذيفة، فهو صحيح على كل حال.

الوجه الثالث: أن متن الحديث صحيح عند مسلم، وقد تلقته الأمة بالقبول، ولم يضعف متنه ولم يطعن فيه أحد من أهل السنة، بل نصَّ النووي -رحمه الله- على صحته.

قال في شرحه على "صحيح مسلم" (12/237-238): (قال الدارقطني: هذا عندي مرسل؛ لأن أبا سلام لم يسمع حذيفة. وهو كما قال الدارقطني، لكن المتن صحيح متصل بالطريق الأول، وإنما أتى مسلم بهذا متابعة كما ترى، وقد قدمنا في الفصول وغيرها أن الحديث المرسل إذا رُوي من طريق آخر متصلًا تبيَّنّا به صحة المرسل، وجاز الاحتجاج به، ويصير في المسألة حديثان صحيحان).

فلا يوجد عالم سني ضعّف الحديث، بل منهم مَن تكلم في سنده مع اعتقاده صحة متنه.

الوجه الرابع: أن للحديث طريقًا أخرى مشتملة على لفظ: (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)، وليس فيها ما ذُكر من الانقطاع.

فقد رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (7/447 رقم 37113)، وأحمد بن حنبل في "مسنده" (5/403)، وأبو داود في "سننه" (4/95-96 رقم 4244-4248)، وأبو عوانة في "مستخرجه على صحيح مسلم" (4/420 رقم 7168)، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" (4/479)، والبغوي في "شرح السنة" (15/8 رقم 4219)، وغيرهم من طريق سبيع بن خالد اليشكري، قال:

أَتَيْتُ الْكُوفَةَ فِي زَمَنِ فُتِحَتْ تُسْتَرُ، أَجْلُبُ مِنْهَا بِغَالًا، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا صَدْعٌ مِنَ الرِّجَالِ، وَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ تَعْرِفُ إِذَا رَأَيْتَهُ أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الْحِجَازِ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَتَجَهَّمَنِي الْقَوْمُ، وَقَالُوا: أَمَا تَعْرِفُ هَذَا؟ هَذَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ. فَأَحْدَقَهُ الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ. فَقَالَ: إِنِّي أَرَى الَّذِي تُنْكِرُونَ، إِنِّي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْخَيْرَ الَّذِي أَعْطَانَا اللَّهُ، أَيَكُونُ بَعْدَهُ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «السَّيْفُ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ مَاذَا يَكُونُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ لِلَّهِ خَلِيفَةٌ فِي الْأَرْضِ، فَضَرَبَ ظَهْرَكَ، وَأَخَذَ مَالَكَ؛ فَأَطِعْهُ، وَإِلَّا فَمُتْ، وَأَنْتَ عَاضٌّ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ». قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مَعَهُ نَهْرٌ وَنَارٌ، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ، وَجَبَ أَجْرُهُ، وَحُطَّ وِزْرُهُ، وَمَنْ وَقَعَ فِي نَهْرِهِ، وَجَبَ وِزْرُهُ، وَحُطَّ أَجْرُهُ». قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ هِيَ قِيَامُ السَّاعَةِ».

واللفظ لأبي داود في "سننه" وإسناده صحيح.

الوجه الخامس: أن حديث حذيفة -رضي الله عنه- له شاهد من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اسمع وأطع، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك، وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك). رواه ابن حبان في "صحيحه" (10/425، 428 رقم 4562، 4566)، وابن أبي عاصم في "السنة" (رقم 1026)، وغيرهما من طريق مدرك بن سعد الفزاري عن حيان أبي النضر سمع جنادة بن أبي أمية سمع عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-. وسنده صحيح.

الوجه السادس: أنه صح من قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

عن سويد بن غفلة قال: قال لي عمر: (يا أبا أمية؛ إني لا أدري لعلي أن لا ألقاك بعد عامي هذا، فاسمع وأطع، وإن أُمِّرَ عليك عبد حبشي مجدع فاسمع له وأطع،إن ضربك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن أراد أمرًا ينتقص دينك فقل: سمع وطاعة، دمي دون ديني. ولا تفارق الجماعة).

رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (6/544 رقم 33711)، والخلال في "السنة" (1/111 رقم 54)، والآجري في "الشريعة" (1/379-381 رقم 70-71)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (8/159)، وغيرهم من طريق إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة به، وإسناده صحيح.

فجميع ما سبق يؤكد صحة حديث: (اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)،

وصح أيضًا عن أمير المؤمين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

وقد احتج به إمام السنة الإمام أحمد -رحمه الله-.

وأجمع العلماء على صحته، وتلقيه بالقبول.

وذكروه في كتب العقائد.

والله أعلم.

[مستفاد من حاشية كتاب: "الإجابات المهمة في المشاكل الملمة" للعلامة صالح الفوزان، جمع وإعداد: محمد بن فهد الحصين (3/423-425، ط: دار الإمام أحمد - مصر)]

[[فائدة ملحقة]]

ممن احتج بالحديث واعتمد صحته:

1- الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-.

قال الخلال في كتابه "السنة" (1/133):

وأخبرني علي بن عيسى، قال: سمعت حنبل بن إسحاق يقول في ولاية الواثق:

اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله: أبو بكر بن عبيد، وإبراهيم بن علي المطبخي، وفضل بن عاصم.

فجاؤوا إلى أبي عبد الله، فاستأذنت لهم، فقالوا: يا أبا عبد الله، هذا الأمر قد تفاقم وفشا -يعنون إظهاره لخلق القرآن وغير ذلك-.

فقال لهم أبو عبد الله: فما تريدون؟

قالوا: أن نشاورك في أنا لسنا نرضى بإمرته، ولا سلطانه.

فناظرهم أبو عبد الله ساعة، وقال لهم: «عليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر».

ودار في ذلك كلام كثير لم أحفظه ومضوا، ودخلت أنا وأبي على أبي عبد الله بعدما مضوا، فقال أبي لأبي عبد الله: نسأل الله السلامة لنا ولأمة محمد، وما أحب لأحد أن يفعل هذا.

وقال أبي: يا أبا عبد الله، هذا عندك صواب؟

قال: لا، هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها بالصبر. ثم ذكر أبو عبد الله قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن ضربك فاصبر، وإن... وإن فاصبر»، فأمر بالصبر، قال عبد الله بن مسعود: كذا.. وذكر كلامًا لم أحفظه.

2- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.

قال -رحمه الله تعالى- في "منهاج السنة" (1/561):

وهو -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر أنه بعد ذلك يقوم أئمة لا يهتدون بهديه، ولا يستنون بسنته، وبقيام رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الإنس، وأمر مع هذا بالسمع والطاعة للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك. فتبيّن أن الإمام الذي يطاع هو من كان له سلطان، سواء كان عادلًا أو ظالمًا.

وقال رحمه الله تعالى في "منهاج السنة" (3/393):

وقد تقدم قوله -صلى الله عليه وسلم-لما ذكر أنهم «لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته. قال حذيفة: كيف أصنع -يا رسول الله- إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع». فهذا أمر بالطاعة مع ظلم الأمير.

انتهى.

 

0