لمشاركة المادة اضغط علي زر القائمة

خطبة وعظية عن اليوم الآخر
القسم :منبر الجمعة



بتاريخ : 30-03-2019 10:45
عدد الزيارات : 134
الشيخ : أحمد آل عبدالله


خطبة وعظية عن اليوم الآخر

 

إنَّ الحمد لله ؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله ؛ بلَّغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ،؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

أما بعد ، عباد الله : ( اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ).

 

عباد الله: من يتأمل أحوالنا ليرى مطابقة قول الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾. لحال كثيرين منا، إعراض عن منهج الله، وغفلة عن الآخرة ؛( ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون* ليوم عظيم* يوم يقوم الناس لرب العالمين ) غفلوا عما خلقوا من أجله، وكأنهم لم يخلقوا للعبادة، وإنما خلقوا للدنيا وشهواتها، فإنهم إن فكروا فللدنيا، وإن أحبوا فللدنيا، وإن عملوا فللدنيا، وإن قاطعوا فلأجلها، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) .

 

فسيكون حديثا اليوم عن ( يوماً يجعل الولدان شيباً) ؛ ساعته (يوم ترونها تذهل كلُّ مرضعة عما أرضعت وتضع كلُّ ذات حمل حملها ).

 

يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخ في الصور {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}فينفخ النفخة الأولى نفخة الصعق فيصعق الناس كلهم يقول عن حال الناس قبيلها :(لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه)، هو ممدود الآن من البائع للمشتري ليفحصه، فلا يطويانه ولا يتبايعانه فقد جاءت النفخة قضي عليهم، (ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته)، حلب الناقة وانصرف بالإناء ليشرب منه (فلا يطعمه)، (ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أوكلته إلى فيه فلا يطعمها) رواه البخاري.

 

روى  أحمد والترمذي وصححه الألباني عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((كيف أنعم [ أي ألتذ بعيش ] وصاحب القرن قد التقم القرن، [ وضعه في فيه ] وفي لفظ (وحنى جبهته وأصغى سمعه)، ينتظر متى يؤمر، [ كل هذا ليستعد العباد بالأعمال الصالحة لهذا اليوم وليتيقنوا وقوعه ] لهذا كان له وقعه على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله فما العمل؟ قال: (قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا) وتكون هذه النفخة يوم الجمعة لما روى النسائي وأبي داود وصححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلق آدم وفيه قُبض، وفي النفخة وفيه الصعقة ) وروى احمد والنسائي وصححه الألباني ( وما من دابة إلا وهي مسيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا الجن والإنسان) أي تستمع توقعا لأمر طارئ شفقة في وقت  أكثر الناس فيه نائمين، في غفلة من سهر ليلة الجمعة ، او لاهين ببيع وشراء .

 

{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} وهي النفخة الثانية تردف الأولى ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ وهي نفخة البعث قيقوم الخلق في خوف ووجل  كما قال عز وجل: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} ، وحق للأبصار أن تخشع للقاء الرحمن، فقال تعالى: {أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} تقرع أهواله قلوب الناس قرعا؛ (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنَّ عذاب الله شديد ) وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: (ما بين النفختين أربعون) قال: (ثم يُنزل الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبله إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة) ينفخ إسرافيل في الصور إذا تكاملت الأجساد نابتة نفخة واحدة، فخرجت الأرواح، فتدخل كل روح في جسدها .

 

{يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} فيأخذ الخوف بقلوبهم، وحلوقهم، وتتغير أحوالهم وألوانهم ، {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ  [للقيام من القبور للبعث] * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}

 

{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ  * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}تغيرات مهيلة للعوالم العلوية والسفلية يوم القيامة في هذا الكون: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}، ثم تطوى السماوات{يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}  كما يطوي القاضي السجلات.

 

يخرج الناس من قبورهم: ( كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ) في الكثرة والانتشار، والضعف والتخبط ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ يومٌ عبوسٌ قمطرير، قال عنه الكافرون: (هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ).

 

من شدته وعسره أنه ينسى كلُّ حبيب حبيبه، وكل قريب قريبه؛فلا هم إلا في نجاة نفسه؛ ﴿ وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴾ وقال: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴾ (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي [ أي يجعلهم فداء له من العذاب ] مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ * وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ).

 

يحشر الناس أجمعون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يقول الله عز وجل: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد) قال صلى الله عليه وسلم: (تحشرون حفاةً عراةً غرلاً) (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد) ، مستوية ليس بها علامة من سكنى، أو بناء، (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ).

 

المتكبرون يحشرون كأمثال الذر في صور الرجال (يغشاهم الذل من كل مكان) ويحشر الكفار عميانا: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ) يحشرون ( عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) قال صلى الله عليه وسلم: (أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟)  (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ) أي وأشباههم ومن هو على شاكلتهم، فيُحشر اليهود معاً، والنصارى معاً، ومن أحب اليهود والنصارى حُشر معهم، ويُحشر الزناة مع الزناة، والمرتشون مع المرتشين، والمرابون مع المرابين ، والمبتدعة مع بعضهم ومن أحب قوماً حشر معهم ، ولا يبقى شيءٌ إلا ويحشر حتى الوحوش، قال الله تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ).

 

قال صلى الله عليه وسلم: (يحشر الخلائق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير، فيقتص الله (ثم يقول) لهذه الدواب والطيور والوحوش: (كوني تراباً، فذلك يقول الكافر:( يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ) ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) وإذا تقرر هذا فيجب على كل مسلم البدار إلى محاسبة نفسه، كما قال عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا. وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحاً، ويتدارك ما فرط من تقصير في فرائض الله عز وجل، ويرد المظالم إلى أهلها حبة حبة، ويستحل كل من تعرض له بلسانه ويده وسطوته، ويطيب قلوبهم حتى يموت ... فإن مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه يوم القيامة .

 

أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم .

 

الخطبة الثانية :

 

الحمد وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:

 

عباد الله : في هذا اليوم العظيم تبرق الأبصار من الهول وتشخص، فلا تطرف كما قال تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ]، من الخوف والفزع، وتجمع الشمس والقمر، ويخسف القمر، وتكور الشمس، ثم يقذفان في النار؛ ليرى عباد الكواكب أنهما مسخران، فيكون في ذلك تبكيتاً لهم، و {يَقُولُ الْإِنْسَانُ} حين يرى هذه القلاقل المزعجة: {أَيْنَ الْمَفَرُّ}.

 

ويعانون شدة الحر وكثرة الزحام، وكثرة العرق (تدنو الشمس من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل) ويكون العرق على قدر أعمالهم: فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا)، وقد انضاف إلى حر الشمس حر الأنفاس لتزاحم الناس، والالتصاق، واجتماع الإنس والجن، ومن يجمع من سائر أصناف الحيوان، وانضغاطهم، وتدافعهم، واختلاطهم، لا فرار ولا انتصار، ويزداد الحر حراً، والموقف شدة يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمامٍ سبعون ألف ملك يجرونها،كرب شديد فهل أعددنا لذلك اليوم من عدة؟ وهل تبنا وقمنا بما يلزم من التوبة؟ وهل تركنا المعاصي وعدنا إلى الله رجاء النجاة في ذلك اليوم؟

 

(يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر) وهذا من لطف الله بهم فهناك من يظلهم الله في شدة حر هذا اليوم ، يقابلهم من يقول الله لهم: {انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ}.