الحمد للَّه ٬ والصَّلاة والسَّلام على رسول اللَّه ٬ وآله وصحبه ومن والاه ٬ أمَّا بعد :
قال اللَّه تعالى : { وقل لعبادي يقولوا الَّتي هي أحسن إنَّ الشَّيطان يَنزَغُ بينهم }
فلم يأمر سبحانه بالقول الحسن ٬ بل بالقول الأحسن ٬ فتأمَّل .
وقال رسول الله ﷺ : إنَّ الشَّيطانَ قد أيس أن يَعبدَهُ المُصلُّون في جزيرة العرب ٬ لكن في التَّحريش بينهم .
[ صحيح مسلم (٢٨١٢) ]
فلم ييأس الشَّيطان من التَّحريش ٬ فعلى المسلم -فضلا عن طالب العلم- أن يكون أشدَّ النَّاس حذرًا من خطوات الشَّيطان وطرائقه ٬ وعليه أن يتحلَّى بأحسن الأخلاق ؛ حتَّى تنتشر هذه الدَّعوة المباركة .
قال عليه الصَّلاة والسَّلام : المؤمن يألف ويُؤلَف ٬ ولا خير فيمن لا يألف ولا يُؤلف .
[ صحيح الجامع (٦٦٦٢) ]
قال الشَّيخ ربيع بن هادي حفظه اللَّه : فما على السَّلَفيين إلَّا أن يمضوا في تبيين دعوتهم إلى اللَّه على بصيرة ٬ وفي نفس الوقت : عليهم أن يتحلَّوا بالأخلاق العالية ٬ من الصَّبر ٬ والحِلْم ٬ والحكمة ٬ وسائر الصِّفات الطَّيبة النَّبيلة الَّتي تتواءمُ مع هذه الدَّعوة العظيمة .
[ الشريط الثاني في التعليق على كتاب الجواب الكافي ]
وعلينا أن نتغافل عن كثير ممَّا يصدر من إخواننا ٬ طالما أنَّه داخل في مظلَّةِ أهل السُّنَّة والجماعة ٬ وما يسوغ من الاختلاف بينهم .
وقد قيل للإمام أحمد : العافية عشرة أجزاء ؛ تسعة منها في التَّغافُل ٬ فقال رحمه اللَّه : العافية عشرة أجزاء ؛ كلُّها في التَّغافل .
[ الفروع (٢٦١/٥) ]
والعاقل يُحب أهل السُّنَّة والجماعة ٬ وإن بَدَرَ من بعضهم ما بدر ٬ فقلبه لهم ومعهم طوال حياته ٬ حتَّى بنزع اللَّه ما في صدورهم من غل يوم القيامة .
قال إمام أهل السُّنَّة الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللَّه : أحبُّوا أهل السُّنَّة على ما كان منهم .
[ طبقات الحنابلة (١/٣٤٥) ]
وهذا لا يتعارض مع بيان الحقِّ والنُّصح للخلق ٬ ولكن بضوابطه وآدابه .
وتذكَّروا أنَّ النَّصيحةَ عبادةٌ للَّه ربِّ البريَّات ٬ وليست جسرًا للشُّهرة ٬ ومَتجًرًا للرَّغبة ؛ فضلًا عن تصفية الحسابات ٬ وإشباع الشَّهَوات .
تَعمدني بنُصحكَ في انفرادِ
وجَنبني النَّصيحةَ في الجماعه
فإنَّ النُّصحَ بين النَّاسِ نوعٌ
من التَّوبيخ لا أرضى استماعه
وإنْ خالفتَني وعصيتَ قَولي
فلا تَجزعْ إذا لم تُعطَ طاعه
قال الشَّيخ عُبيد الجابري [ رحمه اللَّه ] : اللَّهَ اللَّهَ في السُّنَّة ٬ وعليكم بالرِّفقِ ٬ وعليكم بالحكمة ٬ وتعاونوا فيما بينكم على البِرِّ والتَّقوى ٬ وإذا أخطأ سلفيٌّ فلا تُشهِّروا بخطئه في العامَّة والخاصَّة ٬ ناصحوه ؛ فإنَّ السَّلَفيَّ تَردُّهُ السُّنَّة .
[ رسالة ضوابط معاملة السني للبدعي (٦) ]
وأما تقديم حُسن الظَّنِّ على غيره فهو طريق الصَّالحين من أهل التَّقوى والعلم والدِّين .
قال تعالى : { يا أيُّها الَّذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظَّنِّ إنَّ بعض الظَّنِّ إثم }
قال ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما : نهى اللَّهُ المؤمنََ أن يَظنَّ بالمؤمن شرًّا .
[ تفسير الطبري (١٢/٤٩) ]
وقال الحافظ ابن جرير رحمه اللَّه : لم يَقلْ : الظَّنَّ كلُّه ؛ إذ كان قد أذن للمؤمنين أن يَظنَّ بعضهم ببعض الخيرَ فقال : { لولا إذ سمعتموه ظنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا }
[ تفسير الطبري (١٢/٤٩) ]
قال رسول اللَّه ﷺ : إيَّاكم والظَّنَّ ٬ فإنَّ الظَّنَّ أكذبُ الحديث ٬ ولا تحسَّسوا ٬ ولا تجسَّسوا ٬ ولا تباغضوا ٬ ولا تدابروا ٬ وكونوا عباد اللَّهِ إخوانا .
[ متفق عليه (٦٧٢٤) (٢٥٦٣) ]
قال الفاروق عمر رضي اللَّه عنه : ولا تَظنَّنَّ بكلمةٍ خرجتْ من امريءٍ مسلمٍ شرًّا ؛ وأنت تجدُ لها في الخير مَحملا .
[ روضة العقلاء (٩٠) ]
وقال جعفر بن محمد رحمه اللَّه : إذا بلغكَ عن أخيك الشَّيءُ تُنكرهُ ٬ فالتمس له عُذرًا واحدًا ؛ إلى سبعينَ عُذرًا ؛ فإن أصبتَهُ وإلَّا قُل : لعلَّ له عُذرًا لا أعرفه .
[ شعب الإيمان (٦/٣٢٣) ]
وقال ميمون بن مهران رحمه اللَّه : ما بلغني عن أخٍ لي مكروهٌ قطُّ إلَّا كان إسقاطُ المكروه عنه أحبَّ إليَّ من تحقيقه عليه ؛ فإنْ قال : “لم أقل” كان قوله : “لم أقل” أحبَّ إليَّ من ثمانيةٍ يشهدون عليه .
[ تاريخ الرقة (٢٥) ]
وقال بكر بن عبد اللَّه المزني رحمه اللَّه : احملوا إخوانكم على ما كان فيهم كما تُحبُّوا أن يَحملوكم على ما كان فيكم ٬ فليس كل من رأيتَ منه سقطةً أو زلَّةً وقع من عينيك .
[ التوبيخ والتنبيه (٥٣) ]
وقال عبَّاد الخوَّاص رحمه اللَّه : فليكن أمركم فيما تُنكرون على إخوانكم نظرًا منكم لأنفسكم ٬ ونصيحةً منكم لربِّكم ٬ وشفقةً منكم على إخوانكم ٬ وأن تكونوا مع ذلك بعيوب أنفسكم أعنى منكم بعيوب غيركم ٬ وأن يستطعم بعضكم بعضًا النَّصيحة ٬ وأن يَحظى عندكم من بَذَلها لكم وقَبِلها منكم ٬ وقد قال عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه : رحم اللَّه من أهدى إليَّ عيوبي .
[ مسند الدارمي (١/١٦٧) ]
وقال شيخ الإسلام رحمه اللَّه : ومن أعظم التَّقصير نسبة الغلط إلى متكلم ٬ مع إمكان تصحيح كلامه ٬ وجريانه على أحسن أساليب كلام النَّاس .
[ الفتاوى (٣١/١١٤) ]
وقال رحمه اللَّه : وليس لأحد أن يحملَ كلام أحدٍ من النَّاس إلَّا على ما عُرف أنَّه أرادَهُ ٬ لا على ما يحتمله ذلك اللَّفظ في كلام كلِّ أحد .
[ الفتاوى (٧/٣٦) ]
وقال ابن القيِّم رحمه اللَّه : والكلمة الواحدة يقولها اثنان ٬ يُريد بها أحدُهما أعظم الباطل ٬ ويُريدُ بها الآخر محضَ الحقِّ ٬ والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه ٬ وما يدعو إليه ؛ ويُناظر عنه .
[ مدارج السالكين (٣/٥٢١) ]
أسألُ اللَّهَ أن يُؤلِّفَ بين قلوب أهل السُّنَّة والجماعة ٬ وأن يَجمعَ كلمتهم على الحقِّ والتَّقوى ٬ وأن يُجنِّبهم شرَّ شياطين الإنس والجنِّ ٬ إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه ؛ والحمدُ للَّه ربِّ العالَمين .
أخوكم فراس الرفاعي
الجمعة ٢٣ رجب ١٤٣٥هـ