محمد القرآن أم محمد السنة ؟


وصلني مقال -لم يُذكر اسم كاتبه-، يتحدّث صاحبه عمّا يصفه بـ شخصيتين متناقضتين للنبي صلى الله عليه وسلم، شخصية يتحدّث عنها القرآنُ الكريم، وأخرى تحكي عنها كتبُ الأحاديث النبوية!

كمقدمة .. لا بدّ من الاعتراف أن فئةً من الباحثين -والذين عُرفوا بعد ذلك بالمستشرقين-، دأبوا -ومن قديم الزمان- على اختلاق الشبهات حول الإسلام عموما، وحول النبي صلى الله عليه وسلم وكتب الحديث النبوي على وجه الخصوص

من وقت لآخر يتبرّع بعض المفكّرين بإعادة تدوير تلك الشبهات على أنها تأملات فردية أو بحوث شخصية، وترويجها بلغة مَن يريد تنزيه الإسلام بنقد الموروث المشوّه –حسب رؤيته-

ولأن مناقشة هذا النوع من الكتابات ليس من أهدافي، فلن أكتب بلُغة الردود العلمية أو البحوث الموسوعية، بل سأكتب إشارات سريعة، لأكشف للقارئ الكريم حقيقة الشبهات وأمثالها، وأنها: (قديمة)، و (منقولة)، و (في غاية الركاكة)

بداية التعليق على الشبهات:

أولا:

محمد الذي نهاه الله عن الاعتداء (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا)، لا يتعارض مع محمد الذي قال: “أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله” ..

فخطاب الرسول وإن كان بلفظ (الناس)، إلا أن المقصود به (فئة) من الناس، وهم من قاتلوه وبادروه العِدَاء

سِرّ ذلك يمكن في أنّ (أل) في كلمة (الناس) هي للعهد وليست للاستغراق، وفَهمُه يعتمد على التفريق بين (أل الاستغراقية) و (أل العهديّة)

فكلمة (معلّم) في سؤال الأب لابنه: هل جاء المعلّم؟ تختلف عن كلمة (معلم) في خطاب أحد مسؤولي التعليم: لا بدّ مِن تكريم المعلّم

بحيث إنّ (أل) في كلام المسؤول للاستغراق، فتعمّ أو (تستغرق) كل المعلمين، ويكون المعنى: لا بدّ من تكريم كل المعلمين، أما (أل) في سؤال الأب فهي للعَهْد، فيراد بها معنى (معهود) في الذهن، وهو أحد الأفراد، ويكون المعنى: هل جاء ذاك المعلّم؟

فالشبهة إذًا قامت على الجهل بمعاني (أل التعريف) في لغة العرب

لك أن تترك جميع التفسيرات -بما في ذلك تفسيري السابق- لتأخذ توضيح الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، فلم يقاتل (كل الناس)، بل قاتل (فئة من الناس)، بينما الأكثر من الناس: صالحهم، وعاهدهم، واتفق معهم، وسكت عنهم، ولم يتعرض لهم ..

ثانيا:

محمد الذي أخبر الله أنه لا يعلم الغيب (وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم)، لا يتعارض مع محمد الذي بشّر أقواما بالجنة وآخرين بالنار ..

لأن شهادته لأحد بجنة أو نار لا تعني علمه الغيبَ، ولا تحكّمه في البشر، لكنّ الله تعالى أطلعه على شيء (يسير) من الغيب، فأخبرنا به لحكمة أرادها الله، كـ: تثبيت أو تقوية المسلمين على سبيل المثال لا الحصر

وللمرة الثانية أقول: دع كلامي السابق، وخذ الخبر المؤكد من القرآن الكريم، الذي أكّد -وفي آيات كثيرة- اختصاصَ ربنا جل وعلا بعلم الغيب

ومع ذلك تجد فيه -وتحديدا في سورة الجن- قول الله: (عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول)، وهذا يعني أن الله (قد) يُطلع أحد أنبيائه عليهم السلام على (شيء) من الغيب كحالةٍ خاصة في مناسبة خاصة لحكمة خاصة

فالشبهة إذًا قامت على الجهل بمسألة واضحة نصّ عليها القرآن الكريم

وبالمناسبة فالفئة التي شهد لها رسولُ الله بالجنة أو النار، -سواء من الصحابة أو من الأعداء-: (قليلة جدا) أمام السواد الأعظم من البشر الذين لم يخبر الرسول عن مصيرهم ولم يشهد لهم أو عليهم

ثالثا:

محمد الذي أنزل الله عليه: (لا إكراه في الدين)، لا يتعارض مع محمد الذي قال عن المرتدّ: “من بدّل دينه فاقتلوه” ..

لأن الإكراه الذي تحدّثت عنه الآية هو: (إجبار) غير المسلم على الإسلام، أما (معاقبة) المسلم التارك لدينه، فهذا الإجراء يسمى عقوبة ولا يسمى إكراها

فالشبهة إذًا قامت على عدم التفريق بين المعاقبة والإكراه

ويلاحظ هنا قلّة -بل ندرة- الحالات التي عُوقبت بحدّ الردة، مما يؤكد أن (القتل) ليس الهدف الأساسي من تلك العقوبة، بل الهدف: التحذير الشديد من الردة، وبيان عواقبها قبل الوقوع فيها

وهذا لا يمنع مقاضاة مَن وقعت منه الردة، بالرغم من كثرة القيود المفروضة على هذه العقوبة، والتي بسببها لا نكاد نذكر في التاريخ من عوقب بها

رابعا:

محمد الذي أمره القرآن بالصفح (فاصفح الصفح الجميل)، لا يتعارض مع محمد الذي تذكر بعض المصادر أنه انتقم من امرأة كانت تهجوه بالقتل وبصورة وحشية -كما يقول صاحب ذاك المقال- ..

لأن القصة -وبكل بساطة- لا صحة لها، بل هي رواية ضعيفة لا تثبت، فالشبهة إذًا قامت على الاعتراف بنص غير ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم

خامسا:

محمد الذي لا يُفرّق بين الأنبياء (لا نُفرّق بين أحد من رسله)، لا يتعارض مع محمد الذي قال: “أنا سيّد ولد آدم ولا فخر” ..

لأن القرآن نفسه يشهد بتفاوت الأنبياء في الأفضليّة (تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض) وفي آية أخرى (ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض)

إنّ الاعتراف بوجود الأفضلية ليس إشكالا، الإشكالُ الحقيقي يكمن في استخدام التفضيل لأجل القدح في نبيّ، أو التقليل منه، وهذا ما رفضه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: “لا تُفضّلوني على يونس بن متّى”

فالشبهة إذًا قامت على عدم التفريق بين الاعتراف بالتفاضل وبين استخدامه في القدح

سادسا:

محمد الذي أنزل الله عليه الإحسان للأسرى (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا)، لا يتعارض مع محمد الذي أَمر بقتل الأسرى من بني قريظة ..

فتلك الفئة -من سكان المدينة- خانت العهد، وشاركت بعمليات عسكرية ضد أهل المدينة، ولصالح الأحزاب التي قاتلت الرسولَ وأصحابه

هذا العمل -في عرف الدول- يُعدّ من (الخيانة العظمى)، والتي تصل عقوبتها للإعدام، وفي أشد حالات الرفق والرحمة: السجن المؤبّد

ذاك الحكمُ الشرعي من جهة، والسياسي العسكري من جهة أخرى، بُني على أساس: المعاقبة على الجريمة، ولم يقم على مبدأ: قتل من لم يكن مسلما! 

فالشبهة إذًا قامت على عدم التفريق بين التصفية الدينية ومعاقبة المجرم

سابعا:

محمد الصادق الأمين الصوّام القوّام، لا يتعارض مع محمد الذي يعاشر النساء ويتزوج فتاة صغيرة ..

لأنه -في الحقيقة- لم يخالف الدينَ الذي يبيح الزواج، ولا طبيعة مجتمعه العربي في التبكير بتزويج البنات، ولا عادات الرؤساء في جعل تأليف القلوب وتقوية العلاقات أحد أهداف الزواج ومقاصد القرابة

فالشبهة إذًا قامت على الجهل بطبيعة مجتمع الرسول وعادات العرب من جهة، والجهل بسياسات القادة والرؤساء من جهة أخرى

ثامنا:

محمد الذي قال الله عنه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، لا يتعارض مع محمد الذي قال يوما لأعدائه: “جئتكم بالذبح” ..

لم يقل هذا الحديث تأسيسا لفكرة العنف كما يفهم بعض المفكّرين، بل وكما يفهم بعض المتطرفين أيضا! بل قاله تعليقا على محاولة (اغتيال) فاشلة نجى منها يوم كان بمكة

علما أنه كان يخاطب نفرا قليلا (قيل: ثلاثة) -وهم الذين تآمروا على قتله-، حتى قام أحدهم بخنقه، قبل أن يتدخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه في اللحظات الأخيرة ويخلصه من ذلك الموقف

وللعلم فرسولُ الرحمة، وبعد هذا الحديث بسنوات، -وتحديدا حين فتح اللهُ له مكة-: أصدر العفو العام عن أهل مكة، في الموقف الشهير الذي يعرفه الأعداء قبل الأصدقاء

فلم يَذبح، ولم يقتل، بل ولم ينفّذ ذلك التهديد! اللهم إلا في واحد من أولئك الثلاثة، الذين قُتل اثنان منهم أثناء معركة بدر

.. بينما أَمر النبي بقتل ثالثهم -وهو عقبة بن أبي معيط-، الذي تَذكر كتب السيرة أنه من قام بخنق رسول الله، وتوعّد صاحبه ورفيق دربه (أميةَ بن خلف) بقوله: لا أرضى عنك حتى تأتي محمدا فتبصق في وجهه وتشتمه وتُكذّبه. حتى أنزل الله فيه: (ويوم يَعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا)

إنّ عفوَ الرسول عن كثير ممن خالفه ورفَض دينه يؤكّد أن مقولة “الذبح” تلك لم تكن موجهة لهم باعتبارهم (غير مسلمين)، بل كانت موجهة لأولئك النفر الثلاثة باعتبارهم (معتدين مجرمين)

فالشبهة إذًا قامت على عدم التفريق بين معاقبة المجرم ومعاملة غير المسلم

ولك أن تتخيل ردّ رسولَ الله على اعتداء قومه ورشْقِهم إياه بالحجارة بقوله: أرجو أن يُخرج الله مِن أصلابهم مَن يعبُد الله

تاسعا:

محمد الذي أُنزلت عليه (من قبل أن يأتي يوم لا بيعٌ فيه ولا خُلّة ولا شفاعة)، لا يتعارض مع محمد الذي جاءت الأحاديث بإثبات شفاعته لأمّته يوم القيامة ..

ذلك أن الآية تتحدث عن قوم لم يؤمنوا، وهذه الفئة -تحديدا- لا تنفعها شفاعة أحد، وإلا لكانت الجنة قائمة على الوساطات لا على الإيمان!

ولتأكيد هذه الحقيقة اقرأ قول الله تعالى (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) وقوله (لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى)

سِرّ المسألة: أن شفاعات الآخرة ليست كلها مرفوضة، بل المرفوض منها ما اختل فيه شروط قبول الشفاعة، ومن أهمها: أن يرضى اللهُ تعالى

وبناءًا على ما سبق: فالمؤمن قد ينتفع بالشفاعة يوم القيامة، بخلاف غير المؤمنين الذين قال الله فيهم: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين)

فالشبهة إذًا قامت على عدم التفريق بين الشفاعة المقبولة والشفاعة المرفوضة

ختاما .. إذا عجز الأعداءُ الأشدّاءُ الفُصحاءُ البُلغاءُ -الذين رأوا رسول الله وعاصروه- عن الاعتراض عليه والقدح فيه، فغيرُهم أشدّ عجزًا وأضعف حجة .. فاحفظ هذه الحقيقة وتذكرها دائما

قال صلى الله عليه وسلم: “مَن قال رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا: وجبتْ له الجنة” رواه أبو داود في سننه

اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا


شارك المحتوى:
0