⭕ *مفاهيم يجب أن تصحح في الجهاد: (15)*
♦️ *مقتطفات مِن «كلمة الإصلاح لذوي الإصـلاح»*
🔴 قال فضيلة الشيخ عبد المالك رمضاني -حفظه الله-:
1) كم هي عظيمة مصيبة المسلمين اليوم وهم يلاقون ما يلاقون من الحاقدين عليهم المبغضين لديـنهم؛ في كل يوم تسقط لهم راية، وتنحسر خريطتهم قرية بعد قرية، وتتداعى عليهم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فتستنزف ثرواتهم، وتهدر كرامتهم، ويعتدى على دينهم جهارا نهارا، وهذه بلية سـوداء، وداهية دهياء، لا ينجي منها إلا الاعتصام بالله الذي لا يغلبه شيء، والاعتصام به هو الرجوع إلى وحيه.
2) لا تحرِّضوا الناس على مجاهدة عدوهم قبل تحريضهم على مجاهدة أنفسهم؛ فمن عجز عن نفسه التي بين جنبيه كيف يقدر على غيرها؟!
3) للقرطبي الـمفسر -رحمه الله- كلام عظيـم في «الجامع لأحكام القرآن» عند قوله -تعالى- من سورة البقرة (249): ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ﴾، قال فيه (3/255): «وفي قولهم رضي الله عنهم ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ الآية، تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه، قلت: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؛ لكن الأعمال القبيحة والنيـات الفـاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا؛ وفي «البخاري»، قال أبو الدرداء: «إنما تقاتلون بأعمالكم»، وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟!»، فالأعمال فاسدة، والضعفاء مهملون، والصبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتقوى زائلة، قال الله -تعالى-: ﴿اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ﴾، وقال: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون﴾، وقـال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾، وقـال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُون﴾.
فهذه أسباب النصر وشروطه، وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحلَّ بنا، بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه؛ لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشـاد، حتى استولى العدو شرقا وغربا، برا وبحرا، وعمت الفتن وعظمت المحن، ولا عاصم إلا من رحم».
4) فانظروا إلى دقة هذا الكلام؛ ما أصدقه على الواقع، وما أسعد صاحبه بالنَّص! واعرفوا به أهل زمانكم، تدركوا من خلاله سبب تخلف النصر، ويتيسر لكم فهم ما يذكره العلماء الراسخون عن حكم الجهاد في ديار مسلمة قد استولت الشبهات والشهوات على أهلها إلا فئة قليلة من الغرباء، نسأل الله أن يؤنس غربتها، ويفرج كربتها.
وكونوا وقّافين عند النصوص، فبين أيديكم آيات من الكتاب بالـحق ناطق، وبيان من السنة صادق، واستنباط عالم، وشهادة عوالم، فالزموه ولا تأخذكم به في الله لومة لائم، قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (2/159): «ونكتة المسألة أن تجريد التوحيدين في أمر الله لا يقوم له شيء البتة، وصاحبه مؤيّد منصور ولو توالت عليه زمر الأعداء».
5) وكونوا مشفقين على أرواح إخوانكم المسلمين وأعراضهم وأموالهم، فلا تعرضوها للتلف بفتوى دموية يرتجلها اللسان في ساعة فورة غضبية عمياء؛ فإن المسلم الغيور بقدر ما يحزنه أن يرى هذا الواقع الـمر يـحزنه أن يرى اليد الآثمة تتلقف إخـوانه لتذبّحهم بسبب (عجلة مَن لا ينظر في المآل) كما ينظر إلى سوء الحال؛ فإن (النظر في المآلات والعواقب يعصم من كثير من الطيش والمعاطب)، بل هو (ميزان صحة الأعمال)؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ» متفق عليه.
6) فافهم هذا أيها المصلح؛ كي لا تكون أداة في يد العدو! يستعملك له وأنت لا تشعر!! ويستميلك إليه باستدراجك إلى (حرب غير متكافئة)! لتُهدي له أرواح إخوانك بلا ثمن ولا نكاية فيه، يلتهمهم ثم يستفزّك ناظرًا منك أن (تقدّم له مجموعة أخرى) ممن ربّيت على بعض الاستقامة، فينتقم منها ويورثك حسرة وندامة، وهكذا دواليك، حتى لا يبقي لك فرصة للإعداد إلا بعثر لك ما حواليك، قال الشيخ صالح الفوزان في «الـجهاد: أنواعه وأحكامه» (ص92): «كم يقتل من المسلمين بسبب مغامرة جاهل أغضب الكفار ـ وهم أقوى منه ـ فانقضوا على المسلمين تقتيلا وتشريدا وخرابا، ولا حول ولا قوة إلا بالله! ويسمون هذه المغامرة بالجهاد!! وهذا ليس هو الجهاد؛ لأنه لم تتوفر شروطه، ولم تتحقق أركانه، فهو ليس جهادا، وإنما هو عدوان لا يأمر الله -عز وجل- به».
7) واعلموا أنه كما يعد الإقدام في المعركة شجاعة ونصرًا، فإنَّ الإحجام ـ عند غلبة مفسدة الإقدام يعد شجـاعة ونصرا؛ فقد خلص الله موسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام- من فرعون من غير أن يقاتلاه، بل أهلكه الله وهما هاربان منه، فسمى الله خلاصهما انتصارًا مع أنهما لم يواجهاه، ولا واجهه أحد من رعيتهما، فهذا الذي يعتبره الـمتهورون ذلا ومهانة سمـاه الله انتصارًا، فقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُون، وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيم، وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِين﴾.
8) فتأملـوا كيف سماه نجاة ونصرًا على الرغم من حرصهما على ترك المواجهة! بل أكد ذلك فوصفهم بالغلبة، فلماذا لا تجنبون -أيها الدعاة!- المسلمين اليوم عدوهم وقد عرفتم -بفقهكم للواقع!!- شراسته كما عرفتم ضعف إخوانكم؟!
قـال الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله- في «تفسير سورة الصافات» (ص267): «والتخلص من العدو يسمى نصرًا وفتحًا وغلبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة حين كانت الراية مع زيد بن حارثة، ثم كانت مع جعفر بن أبي طالب، ثم كانت مع عبد الله بن رواحة، وكلهم قتلوا رضي الله عنهم، قال: «ثم أخذها خالد ففتح الله على يديه»، وخالد رضي الله عنه لم ينتصر على الروم ولم يغلبهم ولكن نجا منهم، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه النجاة فتحا، كما سمى الله تعالى هنا نجاة موسى وهارون وقومه من فرعون أنها نصر وغلبة».
وذكر ابن النحاس في «مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق» (2/891) رواية فيها أن خالدا رضي الله عنه انحاز بالجيش عن القتال في مؤتة، ورجح أن ذلك عد نصرة للمسلمين؛ واعتبره من جهة حفظ من بقي من المسلمين.
هذا، وقد صُدَّ النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية عن البيت الحرام، وسماه الله فتحًا على الرغم من أن النبي صلى الله عليه وسلم جنب المؤمنين القتال، فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، وجعله سببا للنصر، فقـال: ﴿وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، ولذلك كان البراء يقول: «تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نَعُدُّ الفتحَ بيعةَ الرضوان يوم الحديبية…» رواه البخاري (4150)، وكان الزهري يقول: «لم يكن في الإسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه»، انظر «الفتح» (7/441)، قالوا هذا مع أن ما كان في الصلح هو ظلم صريح للمسلمين؛ إذ لم يكتف المشركون بطردهم عن أوطانهم، حتى صدوهم عن مجرد زيارة خفيفة له بأداء العمرة، مع ما فيه من منع مستضعفي مكة من الالتحاق بالرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وإجبار المسلمين على تسليم الفارين إليهم لمشركي مكة، والله المستعان.
9) وما كان من نصر في مثل هذه الحالات العصيبة إنما يحصـل بسبب صبر المؤمنـين وحرصهم على الطاعة ولو كانت النفس تنزع إلى الانتقام، فإن الصبر عند العجز من أقوى جند الله -عز وجل-، قال ابن القيم في «شفاء العليل» (ص64): «وزاد عناد القوم وطغيانهم، وذلك من أكبر العون على نفوسهم، وزاد صبر المؤمنين واحتمالهم والتزامهم لحكم الله وطاعة رسوله، وذلك من أعظم أسباب نصرهم، إلى غير ذلك من الأمور التي علمها الله ولم يعلمها الصحابة، ولهذا سماه فتحا».
10) فهذا من استنباط هذين العظيمين: البراء -رضي الله عنه- والزهري -رحمه الله-، وذاك الذي مضى في سورة الصافات من استنباط عظيم من علماء هذه الأمة: ابن عثيمين -رحمه الله-، لو كان المهمومون بالجهاد يهتمون بفقه الجهاد ويعرفون للعلماء قدرهم!