أخذ الزينة عند المسجد


“أخذ الزينة عند المساجد”

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي شرع لعباده الشرائعَ وأكملها، وبيّن لهم حدودَها وفروضَها وسننَها، لم يترك عباده في حيرةٍ من دينهم، ولا في نقصٍ من عباداتهم، بل بيّن لهم الدينَ وأكمله، فلم يمُت نبيُّه حتى ترك أمتَه على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلله الحمد والنعمة والفضل والمنّة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا.

أما بعد:

أيها الناس:

اتقوا الله تعالى واعلموا أنّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها، فمن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.

ومما فرضه الله عليكم في صلاتكم سترَ العورة، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا ‌زِينَتَكُمْ ‌عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وأدنى الزينة ما يواري العورة. وقد قال العلماءُ محددين للعورة: عورةُ الرجل كلُّ ما بين السرة والركبة، وعورةُ المرأةِ البالغةِ جميعُ بدنِها ما عدا الوجه؛ فإنه عورة في النظر وليس عورة في الصلاة، فلا يجب عليها أن تستره في الصلاة إلا أن يراها رجلٌ غير زوج ولا محرم، فيجب عليها ستره حينئذ من أجل أن لا ينظر إليها لا من أجل الصلاة.

فاتقوا الله عباد الله، وتستروا في الصلاة بثوب مباحٍ طاهرٍ لا يصف لونَ الجلد من ورائه، واحذروا التهاونَ في ذلك، فإنّ بعض النّاس يلبسون ثيابًا ناعمةً رهيفةً أو غيرها مما لا يستر؛ لأن لون الجلد يبين من ورائها، وليس عليهم إلا سراويل قصيرة لا تصل إلى الركبة، فيبين لون الفخذ من تحت الثوب، وهؤلاء لم يأتوا بواجب الستر الذي هو من شروط الصلاة، فعليهم أن يطولوا السراويل من السرة إلى الركبة ليستروا بذلك عورتَهم. وبعض الناس يصلي بما يستره حال قيامه، ولكنه ينحسر عند سجوده فتنكشف عورته، والله المستعان.

واعلموا -عباد الله- أنه كلما كان اللباس أكمل في هيئته وستره وحاله فهو أفضل. فلم يأمر الله بستر العورة في الصلاة فحسب، بل أمرَ عباده بقدرٍ زائدٍ على ستر العورة في الصّلاة، وهو أخذ الزِّينة، فقال تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} فعلّق الأمر باسم الزِّينة لا بستر العورة؛ إيذانًا بأنّ العبد ينبغي له أن يلبسَ أزينَ ثيابه وأجملَها في الصّلاة.

رُوي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: “الله أحق أن يُتزيّن له”. وكان لبعض السّلف حُلّةٌ بمبلغٍ عظيمٍ من المال، وكان يلبسها وقتَ الصّلاة ويقول: ربِّي أحقُّ مَن تَجمّلتُ له في صلاتي.

ومعلومٌ أنّ الله يُحِبُّ أن يرى أثرَ نعمته على عبده، لا سيما إذا وقف بين يديه بملابسه ونعمته التي ألبسه إياها ظاهرًا وباطنًا.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم وسنة النبي الكريم، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

عباد الله:

ومن الزينة التي أمر الله بأخذها عند كل مسجد التعطرُ واجتنابُ كلّ ما فيه رائحة تُنفّر المصلين.

‌‌ولذلك فقد جاء الترهيب من إتيان المسجد لمن أكل بصلًا أو ثومًا أو كراثًا ونحو ذلك مما له رائحة كريهة، فعن جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “‌من ‌أكل ‌البصل والثوم والكراث فلا يقربنّ مسجدنا، فإنّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم” رواه مسلم، وروى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنّ مسجدنا، وَلَا يُؤْذِيَنَّا بريح الثوم”.

قال ابن رجب -رحمه الله-: “دلّ هذا الحديث – مع الذي قبله – على أنّ علة المنع من قربان المسجد تأذي من يشهده من المؤمنين والملائكة بالرائحة الكريهة”، وقال سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: “وكذلك قال العلماء: من كان به رائحة أسنان أو بخر في الفم أو رائحة كريهة أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يقرب المسجد حتى يزيل هذه الرائحة؛ لأن العلة قائمة”.

فاتقوا الله أيها المسلمون، والزموا حدوده لعلكم تفلحون: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.

وصلوا وسلموا رحمكم الله… .

خطبة بعنوان أخذ الزينة عند المسجد


شارك المحتوى:
0